حين أصبح الزواج مسرحًا للمظاهر… وغابت رسالة الأسرة

حين أصبح الزواج مسرحًا للمظاهر… وغابت رسالة الأسرة

لم يعد السؤال الذي يشغل كثيرًا من الناس: كيف نبني بيتًا سعيدًا؟
بل أصبح: كيف نصنع حفلًا يُبهر الناس؟

وهنا بدأت القصة…

شيئًا فشيئًا، انتقل الزواج من كونه ميثاقًا لبناء أسرة، إلى مناسبةٍ تُقاس قيمتها بحجم الإنفاق، وعدد الحضور، وفخامة القاعة، وكمية الزينة، وآخر ما أنتجته دور الأزياء، حتى صار كثير من الناس يخططون لليلة واحدة أكثر مما يخططون لعشرات السنين التي ستأتي بعدها.

فكم من شاب بدأ حياته بديون أثقلت ظهره قبل أن يبدأ مسؤوليته، لا لأن البيت احتاج إلى ذلك، بل لأن العادات فرضت عليه ما لا يطيق، ولأن كلمة: “ماذا سيقول الناس؟” أصبحت أقوى من كلمة: “ما الذي نحتاج إليه حقًا؟”

وأصبحت بعض الأسر – إلا من رحم الله – ترفع سقف المطالب عامًا بعد عام، حتى غدا الزواج امتحانًا للقدرة المالية، لا ميدانًا للأخلاق وتحمل المسؤولية.

ثم تأتي ليلة الزفاف…

الليلة التي يُفترض أن تكون بداية الستر، فإذا ببعض مظاهرها تجعل العروس محط أنظار الجميع، وتدفعها إلى لباسٍ يكشف من جسدها أكثر مما يستر، بحجة أن هذه “ليلة العمر”، وكأن ليلة العمر لا تكتمل إلا إذا بقيت صورها ونظرات الناس إليها حديث المجالس.

أي رسالة تبدأ بها المرأة حياتها الزوجية حين يكون أول ظهورها بعد العقد أمام الناس بأشد ما تكون زينةً وإظهارًا لمحاسنها؟

وأي معنى للغيرة إذا رضي بعض الأزواج أن تكون زوجته في تلك الليلة موضع الأنظار، بينما كان الأولى أن يكون أول ما يحرص عليه بعد أن صارت شريكة حياته هو صيانة كرامتها، وحفظ سترها، وإعانتها على العفاف، لا أن ينساق معها خلف ضغط العادات أو توقعات الناس.

وليس المقصود حرمان الناس من الفرح، ولا الدعوة إلى العبوس، فالفرح نعمة، وإظهار السرور في الزواج من شعائر الاجتماع البشري. لكن الفرح شيء، وتحويل العروس إلى وسيلة لاستعراض الزينة أمام الحضور شيء آخر.

زواج

ومع ازدحام برنامج الحفل، قد يؤخر بعض الناس الصلاة عن وقتها، أو ينشغلوا عنها، أو تصبح في آخر قائمة الاهتمامات، وكأن بداية الحياة الزوجية تحتمل أن تُبنى على التفريط في أعظم الواجبات.

وقد تشهد بعض الأعراس صورًا من الاختلاط الذي يزيل الحواجز بين الرجال والنساء، أو الرقص الذي يتجاوز حدود الحياء والوقار، أو التنافس في نشر الصور والمقاطع، حتى أصبحت المناسبة تُعاش من أجل الكاميرات أكثر مما تُعاش بين الزوجين.

ولم يعد الاحتفال ينتهي بانتهاء الليلة؛ بل يبدأ سباق آخر على منصات التواصل، حيث تُقاس قيمة المناسبة بعدد المشاهدات والإعجابات، لا بما تركته في النفوس من مودة وسكينة.

إن أخطر ما أصاب بعض مجتمعاتنا ليس مجرد ارتفاع التكاليف، بل أن معاييرها أخذت تتشكل من خارجها، فأصبح كثير من الناس يقلدون كل جديد دون أن يسألوا: هل ينسجم مع قيمنا؟ هل يبني الأسرة؟ أم يحول الزواج إلى مناسبة استهلاكية لا يبقى منها إلا الصور والديون؟

إن الأمة لا تفقد هويتها في يوم واحد، وإنما تضعف حين تستبدل ميزانها بميزان غيرها، فتقيس النجاح بالمظاهر، والجمال بالاستعراض، والرقي بالإسراف، حتى يصبح الاعتدال غريبًا، والبساطة مدعاة للحرج.

وما أحوجنا إلى أن نعيد للزواج معناه الأول؛ أن يكون بداية ميثاق، لا بداية ديون، وبناء أسرة، لا بناء صورة، وفرحًا يباركه حسن القصد، لا سباقًا يرهق القلوب والجيوب.

فإذا صلح الأساس، هانت المظاهر، وإذا استقامت البدايات، رُجي للبيت أن يبقى عامرًا بالمودة والرحمة، لا مثقلًا بما فُرض عليه من أعباء لم تكن يومًا شرطًا لسعادة زوجين.

للمزيد:
فوبيا الزواج من ملتزم
الزواج ليس إنجازًا حتى..

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة