صفحات من السيرة النبوية: الهجرة في سبيل الله

|

الهجرة في سبيل الله لم تكن بالأمر اليسير؛ فهي مفارقة أرضٍ ترعرع فيها الإنسان، وشبَّ بين أهلها، وعُرف بينهم بالصادق الأمين. لكن ما إن انبلج فجر الإسلام حتى انهالت على رسول الله ﷺ التهم والشتائم والأذى. بأبي هو وأمي ﷺ.

قالها ورقة بن نوفل رحمه الله منذ أن سمع خبر الوحي: «ليتني فيها جذعًا إذ يخرجك قومك.» فقد كان يعلم أن هذا الطريق لم يسر فيه نبي جاء بالحق إلا أوذي، وأن دعوة التوحيد لا بد أن تواجه عناد الباطل.

ثم جاء اليوم الذي خرج فيه رسول الله ﷺ من مكة مهاجرًا، متخفيًا عن أعين المشركين، ومكث في غار ثور ثلاث ليالٍ، في غارٍ صغير ضمَّ خير خلق الله ﷺ وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه، فكان مصداق قول الله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. ومن هناك بدأت رحلة الهجرة المباركة، حتى أشرقت المدينة المنورة بنور قدومه ﷺ.

لقد صبر رسول الله ﷺ على أذى قريش صبرًا عظيمًا. فبعد أن كان يُعرف بينهم بالصادق الأمين، أصبحوا يرمونه بالكذب والسحر والجنون، ولم يتركوا وسيلة من وسائل الإيذاء إلا سلكوها؛ من السخرية والاستهزاء إلى التعذيب والإقصاء.

الهجرة في سبيل الله

وخرج إلى الطائف يدعو إلى الله، فرُمي بالحجارة حتى أُدميت قدماه الشريفتان، ومع ذلك لم يدعُ عليهم بالهلاك، بل قال يرجو هدايتهم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا.»

ثم حمل زاده، وهاجر في سبيل الله بعدما لقي من قومه صنوف التكذيب والإيذاء، ولم يكن وحده، بل كان معه صاحبه أبو بكر رضي الله عنه؛ فالطريق إلى الله يحتاج إلى رفيق صالح يعين على الطاعة، ويثبت عند الشدة، ويواسي في المحنة. وما أعظم تلك الصحبة التي جمعها الإيمان والتوكل واليقين.

ولما وطئت قدماه الشريفتان المدينة المنورة، أشرقت بنوره ﷺ. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «لما دخل رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء.» فاستقبله أهلها كبارًا وصغارًا بالمحبة والفرح، وتمنى كل واحد منهم أن ينزل رسول الله ﷺ عنده.

لكن رحلة الابتلاء لم تنتهِ؛ فما لبث أن ظهر المنافقون، وأخذوا يدبرون المكائد، ثم بدأت الغزوات تتوالى، وفقد الأحبة، واستشهد خيار الصحابة، ومع ذلك بقي رسول الله ﷺ ثابتًا، حسن الظن بربه، كامل التوكل عليه، لا تزيده المحن إلا يقينًا.

لقد ذاق ﷺ مرارة الابتلاء، وفقد أبناءه واحدًا بعد الآخر، ثم تبعتهم بناته، وشُجَّ رأسه الشريف، وسالت دماؤه في سبيل الدعوة، وخرج من أحب البلاد إليه، تاركًا الأرض التي شهدت مولده، وخطوات يتمه الأولى، وكل ذلك صابرًا محتسبًا، راضيًا بقضاء الله وقدره.

فلما أتم الله به الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وخُيِّر بين البقاء في الدنيا وبين لقاء ربه، اختار الرفيق الأعلى.

فصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

للمزيد:
وقفات مع الهجرة النبوية
موقف ثبات

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة