جفوة الأطفال وسوء خلقهم: أين الخلل؟ وما مآلاته؟

|

ما يغيب عن ناظريَّ مشاهد تجلَّت فيها جفوة الأطفال وسوء خلقهم مع أقرانهم، أو مع الكبار. فالأغصان الغضَّة نضَّاحة بالندى، ميّالة للين، وما عهدنا منها قسوة أو تعنتًا، فما زلت منذ وعيت أؤمن، أننا إن بحثنا عن تعريف للطهر والبراءة لقلنا “الطفولة”

لكن حين أرجع البصر كرَّتين، فأبصر أحد والديّ الطفل أو كلاهما؛ أعرف أن هذا الشوك من هذا الحنظل.

وما حديثنا هنا عمَّن ابتُلي بابن سيِّئ الخلق يقوِّمه فلا يعتدل، كي لا يكون هذا المقال تقريعاً، يحزن من يبذل ماء عينه لصلاح أبناءه، إنما القصد من يضيِّع حق أولاده عليه؛ إما عمدًا، أو تهاونًا، أو جهلًا في إحسان تربيتهم وغرس معاني الوحي والقيم الكبرى والمبادئ الطيبة فيهم

الشَّاهد: جاءت طفلة تقرُبني، لا تتجاوز الرابعة من عمرها، بعينيها دهشة البراءة، وعلى مُحياها لاح حزن أبتر لجهلها سبب ذاك التصرف، قالت:
“رأيت طفلة أختها تصغرني، ترتدي حذاءها بالمقلوب، فخفت أن تتعثَّر فقلت لها ناصحة: أختك ترتدي حذاءها بالعكس..

عبست بوجهي ثم أجابتني بفظاظة:
“ما دخلك”، ثم أدارت وجهها.

ربما إن نظرنا للموقف خيطًا في معزل عن نسيج المجتمع؛ لوجدناه غير ذي أثر، سواء على نفسية الناصح، أو للمجتمع ككل. لكن المجتمع أصلًا جملة من الأفراد.

لذا، أريد لك أن تبصر بعض آثار ذاك الموقف على المجتمع، فبتكرار هذه السلوكيات؛ سيكون لدينا مجتمع لا يقبل النصيحة، وقد يُتعدى على ناصحه مُحدثًا ندبات نفسية أو حتى جسدية. وبالتالي: ربما بعض من يأمر بالمعروف لتكرر هذا الأذى، يزهد في النصح، وهو خطأ لا محالة، فالإنسان يدخر أجره عند مولاه، ويتحمل اللأواء مُبتغيًا الأجر، سواء اهتدوا أم لم يهتدوا، فلا يردم نبع روحه بحجارة الحسرات منهم أو عليهم.

  • الهجوم بدل الدفاع والاستماع:
    بعض الجفاة ممن لا يقبلون نصحًا، ويغلظون القول على ناصحيهم، أدركوا أم لم يدركوا؛ يزهِّدون بهذه الطاعة وينفرون منها بتحجيم أثرها، والنيل من مبلِّغيها، وكلامهم عن أصحابها في المجالس ولمزهم في الطرقات. قد عطَّلوا بسوء خلقهم أمرًا من أوامر الله!
    و ماضرُّوا إلا أنفسهم، ونزع صمام الأمان!

إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
سد أمام الانفلات بعون الله، فلا تزال لحمة البناء الإسلامي بخير ما عضده التناصح في الله.

لكن {الله متمّ نوره} وما يضروا هؤلاء وأضرابهم الله عز وجل شيئًا، إنَّما هو اختبار نجح فيه من نجح، وسقط من سقط.

  • “السكوت علامة الرضا”
    فالصمت عن المنكر إن تكرر: شرعنة له، وما يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يقود الى المجاهرة بالمعاصي!

فيصبح مجتمعًا لا يكتفي بإثم المعصية؛ إنما يزيد عليها إثم المجاهرة.

  • التطبيع مع الفردانية
    غالبًا إثر تلك السلوكيات ستسمع: (أحسن شي بلاد برا، ما حدا بيتدخل فيك، كل مين عايش بحياته)

المؤمن إذا ذكر تذكر، والمؤمن مرآة أخيه، فلا يأنفن امرؤ من نصح أخيه له!
ففي نصحه معنى: يا أخي أريد أن نكون في الجنة سويًا، لا أحب أن يذوب جلدك في النار، ويذهب سنا وجهك في جهنم.

لكن المأخوذون بكل ما هو قادم من العُلْج، يجتزئون جانبًا من هذة الصفة، فلا يذكروا أنه حين يعتدي أحد بالضرب على امرأة لا احد يردعه! لأنه حرية شخصية، ولا أحد يتدخَّل بحياة أحد.

تجد عجوزًا تجرّ نفسها جرًا، لا أحد يساعدها، ولا تسمع ذاك النداء العربيّ المتلطِّف: ياخالتي، يا أماه، أنا مثل ابنك هل أحمل الأغراض عنك؟

يُسرَق أحد أمام حشد، لا شيء ملامح جامدة من دماء باردة، وحس بليد. تلك الحرية العمياء التي صدعوا بها رؤوسنا!

أطفال

تهاوي الصبغة الاسلامية:

لو أنَّك زرت مكانًا للمرَّة الأولى، وما أخبرتك أنَّ هذا المجتمع مسلم؛ وهِب أنك مررت في وقت غير وقت الصلاة فلم تسمع أذانًا؛ كيف ستعلم أنه مجتمع مسلم؟
ستقول: بسيطة، مظاهر الحشمة، ذِكر الله سجية في كل حركة وسكنة، فتسمع الباعة: ” ياجبَّار عليك الجبر يا رب، يا الله، عنا بطاطا، قلَّاية يا بطاطا “

النصح للمسلمين تارة بترك منكر أو حثّ على اتباع معروف من أخ لأخيه، ومن رجل يقود سيَّارة لعابر ومن شيخ كبير لطفل؛ ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

والله يحب أن تظهر شريعته! والمُحب لا يخفى في هيئته ونبرته وكلامه، فتعظيم شعائر الله علامة جليَّة على التقوى ومحبة هذا الدين ومشرِّعه سبحانه وتعالى.

وما التسخُّط والسخرية وتمعُّر الوجه عند ذكر ما يمتُّ للدين بصلة إلَّا خيط يدلُّنا على هوان هذا الدين الجليل في قلب صاحبه والعياذ بالله.

المؤمنون متناصحون فيما بينهم،
تلك الرقة التي تبصرها في ثنايا تعاملاتهم؛ ترى الواحد منهم في المعمعات ضد العـداة، تكاد تجزم في داخلك أن الجَلد عنوانه والفتك إهابه، والسيف ما سقط من يده منذ كان وليدًا، ثم حين تراه مع إخوانه المسلمين يكاد قلبك ينسف كل مشهد رأيته فتتيقن أن في قلبه شلالات من الرحمة عذبة نقية لا تنفد، تكاد تسمع خريرها، وتبرد وجنتك من رذاذ تدفقها، وتخضوضر حقولك إثر معاينته ومرافقته.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }.

كيف لا يدرك الواحد منا ارتباط صفة من يحبهم ربنا سبحانه وتعالى بأنهم
” أذلة على المؤمنين “، ومن رأى بعين بصيرته المسرَجة من قنديل الوحي الذي لايبلى ولايفنى؛ تجلَّى له المؤمن الحقُّ من سماته وتعاملاته، فمواقفه انعكاس لمبادئه المتجسِّدة داخله وإن لم ينطق بها. وتمعُّر الوجه وسوء القول بريد لما في القلب من شعور.

أرأيتم أثر سلوك واحد من فرد
من خلل في التربية؟
فالتربية عبادة جليلة عظيمة، ومشروع صدقة جارية إن احسن المرء التربية وأكثر الدعاء، وتوكل على ربه، وضبط نيته مستحضرًا عظيم ثواب الله عز وجل.

ولا تبالي بِقالة السوء في تصغير عبوديتك، فكلنا نعرف الرجل الذي دخل الجنة لإماطته الأذى عن الطريق، فكيف بإماطة أذى اخلاق ابنته وحصائد ألسنتهم عن قلوب الناس. وهذا أقل القليل، بل كيف بأن يكون ابنك داعيًا للخير بفعله وكلامه!
بل أجلُّ وأسمى؛ أن تضبط نيتك ليكون مشروع فاتح لبلاد الإسلام يعيدها سيرتها الأولى.

فحافظوا على فطرة أبناءكم من كل مايعكرها من المدخلات، ولاتكونوا ممن يغيِّر خلق الله؛ { وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ }

فبما يُحسُّ من يعمل عند إبليس يُسيره وفق رغباته؛ فيكون سببًا أساسيًا أو ثانويًا لتغيير خلق الله؟

وما زالت حروف نبيّنا محمد ﷺ تتراءى لي برَّاقة كالنُضار: «كل مولود يولد على الفطرة» والفطرة تستحسنها النفوس، وتتلقَّاها بالبشر والقبول، وكل ما يخالفها تنفر منه طبيعةً!

ألا هل تحرزنا عظم الذنوب الجارية، والممتدة زمانًا ومكانًا!

للمزيد:
الأطفال أمانة
لا تغفلوا عن ثغور التربية والتعليم

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة