مواساة الله لعبده المؤمن
يقولُ اللَّهُ تَعالَى في الحديثِ القُدسيِّ: «ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِندِي جَزاءٌ، إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلَّا الجَنَّةُ». (رواه البخاري).
وصَفِيُّهُ: هو كُلُّ مَن أحَبَّهُ الإنسانُ من أهل الدنيا.
هذا حديثٌ عظيمٌ يستحق أن يقف عنده كلُّ من ذاق مرارة الفقد، قريبًا كان المفقود أو بعيدًا، فهو من أجلِّ نصوص المواساة التي تفتح للمؤمن باب الرجاء، وتربط قلبه بربه حين تضيق به الدنيا، وتثقل عليه وطأة الفراق، فالفقد من أشد ما يمر بالإنسان من ابتلاءات، ولا سيما إذا كان المفقود أحد الوالدين أو كلاهما؛ فكيف إذا كانا يفيضانِ بالرحمةِ والبرِّ والإحسان؟ حينها يكونُ وقعُ الفقدِ أثقلَ من أن يتصوَّرهُ عقلٌ، عندها يشعر المرء أن شيئًا من روحه قد فارقه، وأن قطعةً من قلبه قد غابت.
وليس الحزن على فراق الأحبة دليلًا على ضعف الإيمان أو قلة الرضا؛ فالحزن طبيعة بشرية أودعها الله في القلوب. وقد بكى رسول الله (ﷺ) على ابنه إبراهيم، وقال:
«إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
غير أن الشريعة لا تدعو إلى الحزن الذي يستولي على القلب حتى يورث اليأس أو يحمل صاحبه على الاعتراض على قضاء الله؛ فإن ذلك لا يرد فائتًا، ولا يرفع مصيبة، وإنما يزيد القلب ألمًا فوق ألمه، ومن هنا، أخط هذه الكلمات رجاء أن تكون مواساةً لكل قلب غلبته أقدار الله المؤلمة، وتخفيفًا عمن مضت أحزان الفراق في قلوبهم، إنَّ هذا الحديثَ من أعظم ما يهون مرارة الفقد، ويغرس في القلب السكينة والطمأنينة، وهو دواءٌ لا ضيرَ من التداوي به قراءة وتأملاً مراتٍ عديدة في اليومِ، فهو لا يشابه المسكِّناتِ التي تنتهي مفعولاتها، بل هو نورٌ يضيءُ عتمةَ الروح، ويذكر بأن ما عند الله خير وأبقى، فتأمل مصيبتك، ثم تأمل لطف الله بك؛ فكم من عبدٍ ظن أن قلبه لن يبرأ من كسرته، فإذا بالله يلطف به من حيث لا يشعر، ويبدل وحشته أنسًا، وحزنه سكينة، ويقذف في قلبه من الرضا ما لم يكن يتوقعه، ومن كان الله معه أحاطت به ألطافه، ورحماته، ومعيته الخاصة لعباده المؤمنين، ولن يضيعه، ولو اجتمعت عليه هموم الدنيا كلها، فاستغنِ به وحده، واعلم أنَّكَ في هذه الحياةِ مُفارَقٌ ومُفارِقٌ، وحده -سبحانه- الحي الذي لا يموت، ومن كان لله، كان الله معه بعونه ولطفه وتوفيقه.
وإلى كلِّ من فقدَ عزيزًا في هذه الدنيا، تذكّر أن فقيدك قد رحل إلى دار الجزاء، وبقيَ لكَ رب كريم لا ينسى دمعتك، ولا يغفل عن حزنك، ولا يضيع صبرك وهو خير باق.
قال تعالى:
(وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَیهِ رَ ٰجِعُونَ أُو۟لَـٰئكَ عَلَیهِمۡ صَلَوَ ٰت مِّن رَّبِّهِم وَرَحمَةࣱ وَأُو۟لَـٰئكَ هُمُ ٱلمُهتَدُونَ) [البقرة ١٥٧]
وهذه البشارة العظيمة تقودنا إلى تأمل لطيف في ألفاظ الحديث القدسي.

ففي قوله سبحانه: «ما لعبدي المؤمن…».
يظهر لنا أن إضافة الله عبده المؤمن إلى نفسه بقوله: «عبدي المؤمن»، مواساةً ربانيةً جليلة، وتكريم عظيم، إذ يشعر المؤمن أن ربه لم يتركه وحده في مصيبته بل خاطبه بوصف العبودية الذي هو أشرف الأوصاف ووعده بالجزاء العظيم إذا صبر واحتسب، ومن كان عبداً لله حقًا، لن يضيعهُ اللهُ في لُجّةِ فَقْدِهِ، بل يحيطه بلطفه وجبره، ويخفف عنه ثقل المصيبة في الدنيا، ويدخر له عظيم الأجر في الآخرة.
ثم تأمل قوله سبحانه:
«ثم احتسبه»
فهنا تظهر أهمية منزلة عبادة الاحتساب، وهي منزلة يغفل عنها كثير من الناس. فالصبر هو حبس النفس عن الجزع، أما الاحتساب فهو أن يضم إلى صبره استحضار رجاء الأجر من الله تعالى خالصًا، وعندها يتحول البلاء من مجرد ألمٍ يصبر عليه العبد إلى عبادة يؤجر عليها، وتتحول المصيبة إلى طريق لرفعة الدرجات.
ثم يُختم الحديث بقوله سبحانه:
«إلَّا الجَنَّةُ»
ولم يكن جزاءُ المؤمن المحتسب متاعا من متاع الدنيا، ولا شيئًا من حطامها الزائل؛ بل كان الجزاء أعظم ما تطمح إليه النفوس: «الجنَّةُ».
ولم يقيِّد سبحانه الجنة بدرجة معينة في الحديث، وهذا يفتح باب الرجاء لكلِّ مؤمن صابر محتسب، مع بذل الأسباب والعمل الصالح، وطمعًا في فضل الله الذي لا تحده الحدود، ورحمة الله التي وسعت كل شيء.
فمن أحسن الظن بربه وأيقن بكرم عطائه، رجَا أن يبلغه الله أعلى المنازل بفضله ورحمته؛ فإن فضل الله أعظم من أعمال العباد، ورحمته أوسع من تقصيرهم.
ومن جميل ما يواسي قلب المؤمن أن يعلم أن الفراق ليس أبديًّا لأهل الإيمان؛ فمن جمعهم الإيمان في الدنيا، يرجون أن يجمعهم الله في جنات النعيم، قال تعالى:
(وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتهُم ذُرِّیَّتُهُم بِإِیمَـٰنٍ أَلحَقنَا بِهِم ذُرِّیَّتَهُم وَمَا أَلَتنَـٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَیۡءࣲۚ).
وإذا كان من رحل قد انقطع عمله، فإن باب البر به لم ينقطع؛ فالدعاء له، والاستغفار، والصدقة عنه، وصلة رحمه، وإنفاذ وصيَّته المشروعة، كلها من أجل ما ينفعه -بإذن الله-، وهي كذلك ممَّا يسكِّن قلب الحي؛ لأنَّه يشعر أنَّ حبل البرِّ لم ينقطع بالموت، وأنَّ اللقاء القادم ليس كالفراق الأوَّل، بل لقاءٌ في دار لا فراق فيها ولا زوال.
فطوبى لقلبٍ صبر واحتسب، ورجا ما عند الله، فإنَّ وعد الله لا يتخلَّف، وجزاؤه عند الكريم: الجنة.
اللهم اربط على قلب كل مفجوع، واجبر كسر كل مكلوم، واجعل مصائبنا رفعةً في درجاتنا، وتكفيرًا لذنوبنا، واجمعنا بمن فقدناهم في الفردوس الأعلى من الجنَّة، غير خزايا ولا مفتونين، إنَّك ولي ذلك والقادر عليه.
للمزيد:
نبع لا ينضب
جبر للقلوب










