مراعاة النبي ﷺ لمشاعر زوجته ومواساتها

|

سلسلة تعاملات النبي ﷺ مع أهله من كتاب “كيف عاملهم ﷺ” ج5: مراعاة النبي ﷺ لمشاعر زوجته ومواساتها:

كان النبي ﷺ يعرف هل هي راضية عليه أم ساخطة، فها هو يقول لعائشة رضي اللهُ عنها : «إنّي لأعلم إذا كنت عني راضيةً، وإذا كنتِ عليَّ غضبى»، فقالت: ومن أين تعرفُ ذلكَ؟ قَالَ: «أمّا إذا كنتِ عني راضيةً؛ فإنَّكِ تقولين: لا، وربِّ محمّد، وإذا كنتِ غضبى؛ قلتِ: لا، وربّ إبراهيم»، قالت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك.
فلم يكن من الرجال الذين لا يبالون بزوجاتهم، رضينَ أم سخطن.

فهذا النبيُّ العظيم ﷺ الذي لم تشغله هموم الدولة، والغزو، والجهاد، وتجهيز الجيوش، ونشر الدعوة في العالم، وإرسال الرسائل إلى كسرى وقيصر، ومتابعة الأمور العظيمة، لم يشغله ذلك عن مراعاة مشاعر زوجته.

فأين هذا، ممن لا يراعي مشاعر زوجته، ولا يبالي بأمرها، سواء كانت راضية أم ساخطةً، سعيدة أم حزينة؟!

ومن ذلك مراعاته لمشاعر أم المؤمنين صفية الله عنها، فلما عيّرتها حفصة بأنها ابنة يهودي؛ دافع عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطيب خاطرها بكلام يشرح الصدر، ويهدئ الخاطر.

فعن أنس بن مالك رضي اللهُ عنه قال: بلغ صفيّة أن حفصة قالت: بنتُ يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟»، فقالت: قالت لي حفصة: إني بنتُ يهودي، فقال : «إنكِ لابنة نبي، وإنَّ عمّكِ لنبي، وإنكِ لتحتَ نبي، ففيم تفخرُ عليك ؟ »

«وإنك لابنة نبي» أي: هارون بنُ عمران عليه السلام ، «وإنَّ عمك لنبي» أي: موسى ابنُ عمران عليه السلام.

بل كان يواسي زوجته إن رآها حزينةً أو مريضةً:

فعندما حاضت عائشة وهي في الحج دخلَ عليها وهي تبكي، فقال: «ما لكِ أنفست؟»، قالت : نعم، قال: «إنَّ هذا أمر كتبهُ اللهُ على بناتِ آدمَ، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي
بالبيت. …»
فلما قضيتُ الحج، أمر عبد الرحمن، فأعمرني منَ التنعيم، مكانَ عمرتي التي نسكت.
ومن الأمور التي ينبغي على الأزواج أن يراعوها مع زوجاتهم: ما تتعرّض له زوجاتهم من تغير لطباعه؛ بسبب الحيض والنفاس والولادة، وما يحدث لهنَّ من تعب، وضيق، وألم.
بل عندما يستشعر الزوج هذه الحالات ويقدّرها لزوجته؛ فإن الزوجة تكون مدينة له بذلك الجميل.

نبي

وإذا مرضت زوجته صلى الله عليه وسلم رقاها، ومسح بيده الحانية عليها:

عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يعوّذُ بعض أهله يمسح بيده اليمنى، ويقول: “اللهم ربَّ النّاسِ، أذهب الباس اشفه وأنتَ الشّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادرُ سقمًا”

فالزوج إذا تلمس مواضع الألم من زوجته وحنا عليها، ووضع يده على مكان الألم من زوجته؛ كان لذلك عظيم الأثر في نفس المرأة وإن لم يذهب الألم، وإن بقي الداء، لكنها تشعر أنه يحس بها، وبآلامها.

وقد عابت إحدى النساء زوجها- كما في قصة حديث أم زرع بقولها: «ولا يولج الكف؛ ليعلم البت».
«أي: لا يمد يده؛ ليعلم ما هي عليه من الحزن فيزيله، والمراد بالبت الحزن، ويطلق البت أيضاً على الشكوى، وعلى المرض.
فأرادت أنه لا يسأل عن الأمر الذي يقعُ اهتمامها به، فوصفته بقلة الشفقة عليها.

فهي تعيبه بذلك! فالمواساة بين الزوجين عند حلول كرب، أو نزول مرض مطلوبة. ولكن بعض الأزواج لا يراعي هذه الحالات، ويريد أن تكون المرأة صحيحة سليمة دائماً، فإذا مرضت؛ ذهب بها إلى بيت أهلها، وتركها حتى تشفى؛ لأنه لا يطيق مجالستها وهي على هذه الحال.

ومن مواساته ﷺ: مسحه لدموع زوجته صفية بيده لما مرض جملها في طريق السفر: (عن صفيّةَ بنتِ حيي رضي اللهُ عنها أنَّ النبيَّ ﷺ حجَّ بنسائه، فلما كانَ في بعض الطريق؛ نزلَ رجل، فساق بهنَّ، فأسرع، فقال النبي ﷺ: «كذاك سوقك بالقوارير، يعني النساء”. فبينا هم يسيرون برك بصفية بنت حيي جملها، وكانت من أحسنهنَّ ظهراً، فبكت، وجاءَ رسول الله ﷺ حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده).

فمسح الدموع بيد الزوج فيه مواساة كبيرة، وتقدير لعواطف ومشاعر الزوجة، مع أن سبب البكاء أمر هين، إذ بكتْ بسبب بروك جملها الذي كان يعد من أحسن الجمال، ومع ذلك لم يحقر النبي ﷺ مشاعر صفية وعواطفها.

فالزوجة تمر أحيانًا بأزمات، أو مشكلات، وتحتاج إلي تطييب خاطرها ببسمة حانية، ونبرة صافية، تحتاج إلى من يخفّفُ عنها ما هي فيه حتى تشعر أنها ليست وحدها تواجه هذه الأزمات والمشكلات.

قد تفقد المرأة قريباً لها – أباً، أمّاً، أخاً – فتحتاج إلى من يصبّرها، ويذكرها بفضيلة الصبر، ويواسيها، ولكن قد يكون هذا الخلقُ غائباً عن بعض الناس، فتجده لا يبالي بما تتعرض له زوجته من مصائب، ولا بما يقع عليها من مشاكل.
بل قد تجد من يحقر مصيبتها، ويسخر منها، ويستهزئ بما يحصل لها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اللهم إنّي أحرج حقَّ الضعيفين: اليتيم، والمرأة».
«أحرج» أي أضيق على الناس في تضييع حقهما، وأشدد عليهم في ذلك، والمقصود إشهاده تعالى في تبليغ ذلك الحكم إليهم “

وقد بلغ من رفقه بزوجاته، وحسن عشرته لهنَّ : أن ترفع زوجته صوتها عليه فيحتمل ذلك منها.

عن النعمان بن بشير من قال : جاءَ أبو بكرٍ رضي الله عنه يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع عائشة، وهي رافعة صوتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن له فدخل، فقال: يا ابنة أم رومان، وتناولها، أترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فحال النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينه وبينها، فلما خرج أبو بكر، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها يترضاها: «ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينكِ»، ثمَّ جَاءَ أبو بكر، فاستأذن عليه، فوجده يضاحكها، فأذن له فدخل، فقال له أبو بكر : يا رسول الله أشركاني في سلمكما، كما أشركتماني في حربكما.

للمزيد:
الحب في ظلال بيت النبوة
عرس عند السلف

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة