عبادات السر

|

عبادات السر: ليست كل الطاعات تُقال… وبعض العبادات يكتمل نورها بالكتمان

من أعظم ما يفسد على العبد صفاء عبادته أن تصبح أخبار طاعاته حديث المجالس، وأن يتحول ما بينه وبين ربه إلى مادةٍ يتداولها الناس.

فإذا نوى قيام الليل، أو عزم على صدقة، أو أراد الاعتكاف، أو وفقه الله لعمرةٍ أو حج، فليس من الواجب أن يعلم الناس بذلك، بل قد يكون إخفاء العمل أسلم للقلب، وأحفظ للإخلاص، وأبعد عن الرياء والعُجب، وأقرب إلى القبول.

وليس معنى ذلك أن يكتم الخير فلا يرغِّب فيه، بل يحدث الناس عن فضل الطاعات وآثارها، دون أن يجعل نفسه نموذجًا يُشار إليه، أو يجعل عمله قصةً تُروى.

أما العمرة، فقد أصبحت عند بعض الناس خبرًا لا بد من إعلانه، وسفرًا ينبغي أن يُستأذن فيه، حتى إن من اختار أن يذهب في هدوء ويعود في هدوء، حفاظًا على خصوصية عبادته، وجد من يعاتبه، أو يلومه، أو يقاطعه، وكأنه ارتكب خطأً لأنه لم يجعل الناس شركاء في خبر سفره.

وهذا من قلب الموازين.

سر

فالعمرة عبادة بين العبد وربه، وليست مناسبةً اجتماعية يُلام الإنسان إن لم يعلنها، ولا يُطالب شرعًا أن يخبر أحدًا بها.

بل إن كثيرًا من الناس يُخفون سفرهم اتقاءً لكلامٍ لا ينتهي؛ فهذا يقول: أما اعتمرت من قبل؟ وآخر يقول: كان الأولى أن تُصرف هذه الأموال في كذا وكذا. وثالث يظن أن كثرة العمرة دليل على كثرة المال، وهو لا يدري أن صاحبها ربما اقتطع نفقاتها من قوت نفسه، وترك كثيرًا من المباحات، وصبر أشهرًا، وربما سنوات، ليقف ساعةً عند بيت الله.

فليس كل من اعتمر غنيًّا، وإنما هو عبدٌ وفقه الله، وفتح له بابًا من الخير حُرم منه غيره.

وليعلم كل من يكثر اللوم أن الناس لا يعلمون ما في الصدور، ولا يعرفون ما بين العبد وربه؛ فقد تكون تلك العمرة نجاةً لقلبٍ أثقلته الهموم، أو دمعةَ توبةٍ طال انتظارها، أو بدايةَ رجوعٍ صادق إلى الله، أو دعوةً يرفعها صاحبها عند الكعبة لا يعلمها إلا الله.

وما أجمل أن نتعلم أدب الإسلام في التعامل مع خصوصيات الناس؛ فلا نفتش عن أخبارهم، ولا نعاتبهم على ما لم يُكلَّفوا بإعلانه، ولا نحملهم على أن يجعلوا عباداتهم منشوراتٍ يقرؤها الجميع.

فإن رزق الله أخاك طاعةً، فادعُ له بالقبول، وإن فتح له بابًا من الخير، فاسأل الله من فضله، ولا تجعل قلبك منشغلًا بما في أيدي الناس، بل بما ينفعك بين يدي الله.

فكم من عملٍ أخفاه صاحبه عن الخلق فرفعه الله في السماء، وكم من عبادةٍ ضاعت حين أحب صاحبها أن يراها الناس قبل أن يراها الله.

اللهم ارزقنا الإخلاص في السر والعلن، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، ولا تجعل للناس فيها نصيبًا إلا الدعاء بالقبول.

للمزيد:
عبادةُ السِّر
إخلاص الدين .. جزئية انحراف!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة