دعوى “خُدّام سورة البقرة” بين نور الوحي وظلمات الأوهام

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 20: القرآن ليس ميدانًا للخرافة…
دعوى “خُدّام سورة البقرة” بين نور الوحي وظلمات الأوهام

الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى ورحمة، وجعله نورًا تستقيم به العقائد، وتصلح به القلوب، وتقوم به الحجة على العالمين، وجعله كتابًا عربيًا مبينًا، لا غموض فيه لمن طلب الحق، ولا أسرار باطنية يتوارثها أصحاب الدجل والطرائق المنحرفة.

أما بعد…

فمن أعظم المصائب أن يُجعل القرآن، الذي أُنزل لإحياء القلوب بالتوحيد، وسيلةً لترويج الخرافة، وأن يُلبَّس على المسلمين دينهم باسم تعظيم كلام الله، حتى أصبحنا نسمع عن “خُدّام السور”، و”روحانيات الحروف”، و”أسرار الأعداد”، و”قوى خفية” تُستحضر بتلاوة القرآن، وكأن الوحي لم يكتمل إلا بهذه الدعاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان.

البقرة

ومن أكثر ما يُتداول في هذا الباب الزعم بأن لسورة البقرة خُدّامًا من الجن أو من العالم العلوي، وأن لكل حرفٍ من القرآن خادمًا، وأن قارئ السورة إذا التزم عددًا معينًا، ووقتًا مخصوصًا، وأشعل نوعًا من البخور، حضرت له تلك الأرواح أو الروحانيات، ونال من أسرار السورة ما لا يناله غيره.

وهذه الدعوى لا تقف عند حد الخطأ، بل تتجاوز ذلك إلى التقول على الله في أمرٍ غيبي لم يأت به وحي، والغيب بابٌ أغلقه الله عن خلقه، فلا يُفتح بالأذواق، ولا بالتجارب، ولا بالمنامات، ولا بحكايات المتصوفة أو السحرة أو المشعوذين، وإنما يُعرف بخبر الله ورسوله ﷺ.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ… وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فجعل سبحانه القول عليه بغير علم في ذروة المحرمات؛ لأنه أصل كل انحراف في الاعتقاد والعبادة.

ولو كانت هذه الدعوى حقًا، لسبق إليها رسول الله ﷺ، فهو أحرص الناس على بيان الخير، وأكملهم نصحًا للأمة، وقد بلّغ الرسالة كاملة، فما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه. فهل أخبر يومًا أن لسورة البقرة خُدّامًا؟ وهل نقل الصحابة عن نبيهم شيئًا من ذلك؟ وهل عرف هذا أئمة الإسلام الذين أفنوا أعمارهم في تفسير القرآن وبيان فضائله؟

إن الجواب واحد لا يتغير: لم يثبت من ذلك حرف واحد.

وهذا وحده كافٍ لإسقاط الدعوى؛ لأن مسائل الغيب لا تُقبل فيها الظنون، ولا تُستحسن فيها التجارب، ولا يُستأنس فيها بكثرة الناقلين، بل مردها إلى الوحي وحده.

ومن تأمل هذه المزاعم وجدها غريبة عن لغة القرآن والسنة، مألوفة في كتب السحر والطلاسم والباطنية، حيث يكثر الحديث عن خُدّام الحروف، وتسخير الأرواح، والأوفاق، والأعداد، والرياضات، والأبخرة، والأوقات الخاصة. وهذه المصطلحات لم يعرفها الصحابة ولا التابعون، وإنما تسربت إلى بعض الناس من تراث السحرة وأهل الشعوذة، ثم أُلبست ثوب الرقية والولاية، فاغتر بها من لم يزنها بميزان الكتاب والسنة.

ومن التلبيس أيضًا أنهم لا يكتفون بنسبة هذه الأكاذيب إلى القرآن، بل يضيفون إليها عبادات وهيئات لم يشرعها الله؛ فيحددون عددًا معينًا للتلاوة، وأيامًا مخصوصة، وأوقاتًا يزعمون أنها أنفع من غيرها، ويقيدون ذلك بالبخور أو بطقوس خاصة، حتى تتحول العبادة إلى برنامج لم يأذن به الله.

وهذا في حقيقته تشريعٌ محدث؛ لأن العبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع، ولا يجوز تقييدها بعدد أو زمان أو مكان أو هيئة إلا بدليل صحيح. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.

وليس أخطر ما في هذه الدعاوى أنها مجرد خرافات، بل إنها تصرف القلوب عن المقصد الذي من أجله أُنزل القرآن. فبدل أن يقرأه المسلم رجاء الهداية، وتصحيح العقيدة، والعمل بالأوامر، والخشوع بين يدي الله، يصبح همه البحث عن الأسرار المزعومة، والخُدّام، والطاقات، والروحانيات، وكأن أعظم ما في القرآن أمور خفية لم يعلمها رسول الله ﷺ ولا أصحابه!

وهذه طريقة قديمة لأهل الباطل؛ يخلطون الحق بالباطل حتى يروج باطلهم. فيذكرون فضائل ثابتة لسورة البقرة، كفرار الشيطان من البيت الذي تُقرأ فيه، وأن أخذها بركة وتركها حسرة، ثم يُقحمون بعد ذلك أكاذيب لا أصل لها، فيظن العامة أن الجميع من دين الله، وما هو من الدين في شيء.

ولو فتشنا النصوص الصحيحة كلها، لما وجدنا فيها ذكرًا لخُدّام السور، ولا روحانيات الحروف، ولا أسرار الأعداد، ولا الأبخرة، ولا الطقوس الخاصة، وإنما وجدنا دعوةً إلى الإخلاص، والتدبر، والعمل، والاعتصام بالوحي، والثقة بأن بركة القرآن فيما شرعه الله، لا فيما اخترعه الناس.

إن القرآن أعظم من أن يُختزل في طقوس غامضة، وأشرف من أن يُجعل وسيلة لاستحضار المجهول، وأجلُّ من أن تُنسج حوله الأساطير. فهو كلام رب العالمين، أُنزل ليُعبد الله به، لا ليُتخذ بابًا إلى الأوهام.

فليتق الله كل من ينسب إلى القرآن ما ليس منه، فإن الكذب على دين الله ليس كالكذب على غيره، ومن فتح للناس باب الخرافة باسم القرآن فقد أفسد عقائدهم من حيث يزعم أنه يعالجهم أو يقربهم إلى الله.

نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن حقًا؛ الذين يتلونه كما أُنزل، ويفهمونه كما فهمه أصحاب رسول الله ﷺ، ويعملون به ظاهرًا وباطنًا، وأن يعصم المسلمين من البدع والخرافات، وأن يرزقهم لزوم الكتاب والسنة، ففيهما الغنية والكفاية، ومن ابتغى الهدى في غيرهما أضله الله.

للمزيد:
مجالس تدارس القرآن: الربع الأول من سورة البقرة

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة