الغيرة طبيعة في المرأة، وهي دليل محبتها لزوجها، خاصة إن كان له زوجات غيرها، ولم تخرج عائشة رضي الله عنها عن هذه الطبيعة، فقد كانت تغار على النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما: «أغرت؟» قالت: «وما لي أن لا يغار مثلي على مثلك».
ونعرض فيما يلي حديثين نبين فيهما بعض غيرة الحبيبة الموفقة، سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، على النبي صلى الله عليه وسلم، مع الفائدة من كل منهما:
في حديث جابر: «أن عائشة لما قالت: بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: يا رسول الله، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. فقال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني متعنتا، وإنما بعثني معلما ميسرا».
يقول ابن حجر، معددا ما في الحديث من الفوائد، ومنها: «أن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها؛ لسؤالها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخبر أحدا من أزواجه بفعلها، ولكنه صلى الله عليه وسلم لما علم أن الحامل لها على ذلك ما طبع عليه النساء من الغيرة، ومحبة الاستبداد دون ضرائرها، لم يسعفها بما طلبت من ذلك».
تقول عائشة رضي الله عنها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى». قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: «أما إذا كنت عني راضية، فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت علي غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم». قالت: قلت: أجل، والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك.
قال النووي: «قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: “إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى” إلى قولها: “يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك”. قال القاضي: مغاضبة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم هي مما سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام… لعدم انفكاكهن منها، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة.
قال: واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله». ولولا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه؛ لأن الغضب على النبي صلى الله عليه وسلم وهجره كبيرة عظيمة، ولهذا قالت: «لا أهجر إلا اسمك». فدل على أن قلبها وحبها كما كان، وإنما الغيرة في النساء لفرط المحبة».
ومع تفهم النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الغيرة، وتسامحه في كثير من شأنها، إلا أنه إذا وقع بسببها تجاوز شرعي فإنه ينبه إلى الخطأ، فمن ذلك مثلا ما صح عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا»، تعني قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».










