العمرة بين تعظيم النسك وتسويق الترفيه

|

ليست المشكلة في أن يمرّ المعتمر بمدينة جدة، أو أن يستفيد من سفره في أمر مباح، وإنما موضع التأمل هو الطريقة التي تُسوَّق بها العمرة حين تُقدَّم ضمن باقة ترفيهية تضم مباراة أو جولة سياحية أو رحلة بحرية، حتى يصبح الترفيه عنصرًا أساسيًا في جذب الناس إلى الرحلة.

وهنا ينبغي أن نقف قليلًا، لا اعتراضًا على المباح، ولا حكمًا على نيات المنظمين، وإنما تذكيرًا بمكانة العبادة ومقصدها.

فالعمرة ليست رحلة سياحية فحسب، بل هي نسك يتقرب به العبد إلى الله؛ قال تعالى:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].

فالمؤمن يقصد بعمرته وجه الله، ويرجو رحمته ومغفرته وقبوله، ويستشعر عظمة النسك الذي جاء لأدائه. ومن حق هذه الشعيرة أن تحظى بمكانتها في قلبه، وألا تطغى عليها مشاغل الدنيا وملهياتها.

ولا حرج في أصل الجمع بين العمرة ونشاط مباح، ما دام ذلك منضبطًا بالشرع، ولا يشغل عن أداء النسك أو يخلّ بحرمته. لكن موضع المراجعة هو أن يصبح الترفيه هو العنصر الأبرز في تسويق الرحلة، بينما تتراجع الغاية التعبدية إلى مجرد جزء من برنامج أوسع.

وقد يقول قائل: لعل هذه العروض تجذب شابًا لم يكن يفكر في العمرة، فتكون سببًا في إقباله على الطاعة.

وهذا احتمال وارد، ولا يصح إغفاله؛ لكن حسن المقصد لا يُغني عن مراعاة الوسيلة وآثارها، كما أن جذب الناس إلى العبادة ينبغي أن يصاحبه تذكيرهم بحقيقتها وتعظيمهم لشعائر الله، لا أن يُختزل النسك في تجربة ترفيهية.

إن المسلم اليوم أحوج ما يكون إلى أن يستعيد في عبادته معنى الإقبال على الله، وأن يدرك أن بعض المواطن لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، وإنما تحتاج إلى قلب حاضر، ونفس مقبلة، وروح تستشعر عظمة الوقوف بين يدي الله.

فمكة المكرمة ليست مجرد وجهة سياحية، والعمرة ليست مجرد منتج تسويقي؛ بل هما مرتبطتان بشعيرة عظيمة، ينبغي أن تبقى غايتها التعبد لله وحده.

يطوف المسلم بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويذكر الله ويدعوه ويستغفره، راجيًا القبول والمغفرة. وهذه المعاني هي لبّ الرحلة وغايتها، فلا ينبغي أن تطغى عليها البرامج المصاحبة أو تصرف الأنظار عن المقصد الذي جاء المعتمر من أجله.

أما الاستفادة من السفر في نشاط مباح بعد أداء النسك، فذلك أمر آخر، لا يصح إنكاره لمجرد كونه ترفيهًا. وإنما الدعوة هنا إلى التوازن: أن تُقدَّم العمرة بما يليق بمكانتها، وأن تبقى الأنشطة المصاحبة في موضعها، من غير مبالغة في الإنكار ولا غفلة عن تعظيم الشعيرة.

لسنا بحاجة إلى أن نضيف إلى العبادة ما يجعلها أكثر جاذبية في أعين الناس، بقدر حاجتنا إلى أن نعرّفهم بفضلها، ونذكّرهم بعظيم أجرها، ونفتح أمام قلوبهم أبواب الشوق إلى بيت الله الحرام.

فإذا عرف القلب قدر العمرة، اشتاق إليها لذاتها، ورجا ما عند الله من الأجر والمغفرة، ولم تكن حاجته إلى الترفيه هي الدافع الأبرز للإقبال عليها.

فلنحفظ للنسك مكانته، وللعبادة مقصدها، وللأنشطة المباحة حدودها؛ فلا نحرّم ما أباح الله، ولا نسمح للمظاهر المصاحبة أن تحجب الغاية الأصلية.

فالعمرة عبادة لله، ومن تعظيمها أن تبقى غايتها حاضرة، ومكانتها محفوظة، ومقصدها التعبدي واضحًا في النفوس.

للمزيد:
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
ترفيه الإنسان أم ابتلاعه؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة