دعوى تعزيز اللغة العربية الفصحىٰ، وحب القضية الفلسطينة:
من أهم ما يعجب الناس بسبيستون، قوّة القناة في اللغة العربية الفصحىٰ، ومساهمتها في تعزيزها علىٰ مسامع الأطفال من سن صغير، حتىٰ غدا بعض الأطفال يتكلم الفصحىٰ خلال يومه العادي؛ وينشأ على طلاقة اللسان.
لكن ظهر بعض السلبيات التي ليس للقناة علاقة بها، إنما سوء تلقي المتلقي لها ،حيث تلقىٰ المتابع؛ العربية بقالب كرتوني، ومع تفضيله للعامية وندرة تكلمه بالفصحىٰ ، والضعف في تدريس اللغة العربية في المدارس، كل هذا أدىٰ إلىٰ التقليل من قيمة اللغة العربية علىٰ مسامعهم، وأصبح الطفل المتكلم بها، مُضحكًا يتكلم مثل برامج الأطفال!
فارتبطت وجدانيًا اللغة العربية الفصيحة بالكرتون عند ذلك الطفل، ولم يرتبط وجدانيًا ولا تربويًا أن الله تكلم بها وهي لغة القرآن، وأعظم لغة محكيّة على وجه البرية.
ثم بطلان دعوة التعزيز فواضحٌ، فاللغة العربية والفصاحة تؤخذ من مظانها وليس من قنوات الأنمي المدبلج!
وأما حب القضية الفلسطينية: فهذه القضية الحقة، من أكثر القضايا التي استغلت كأبشع ما يكون..
استغلها الكافرون والمنافقون علىٰ اختلاف نحلهم؛ من البعثي، والعلماني، والشيوعي، والرافضي، والنصراني؛ والقائمة تطول، بكل مذهب إبليسي..
حتىٰ الصفحات الصفراء، والكتب التجارية الملقاة علىٰ أرصفة الشوارع، إذا أرادت تحقيق الأكثر مبيعًا، تحدثت عن القضية الفلسطينية!
هناك مقولة للمجرم “رفعت الأسد” قالها لأحد المجرمين، جامعة لكل خبائث قلوب الأفاكين والمنافقين، مروّجين من خلالها أنفسهم، يخادعون الناس؛ فتغفر خطاياهم: “ضعْ فلسطين علىٰ لسانك، وعلق المشانق”!
وهذا ما يروج فعلًا، والحفرة التي يقع بها المغفلون في كل مرة!
فحتىٰ سبيستون استغلت هذا، وخَدعت به، وروّجت لفسادها المدبلج، وكانت حصان طروداة للعبث بعقائد الناس.
أغاني إسلامية!
وهذه لوحدها غاية في التناقض؛ فكيف يكون ما حرّمه الإسلام، حلال بنفس الوقت، بل ومنسوب إليه!
يكفي في بطلان هذا الفعل تحريم الموسيقىٰ أصلًا؛ فلا يخدعنكم هؤلاء المخادعون ويقلًبون لكم الأمور، قال رسول الله ﷺ:
«لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ»
[صحيح البخاري | ٥٥٩٠].
ومعازف سبيستون قد استحلها القوم، وهي حرام.
“أداة تغريب” مؤسلمة
مع ما ذكرنا من استغلال للغة الفصحىٰ، والقضية الفلسطينية، والأغاني المؤسلمة، والتوجه “الإسلامي” لو سلّمنا أن هذا كله حسن؛ فترىٰ النتيجة؛ تجدها تصديرٌ للثقافات الشرقية المنافية للإسلام.
وتراها تطرب آذان المتابعين، بمزامير الشيطان.
وترىٰ كادرًا علمانيًا، ومغنية فاسقة متبرجة، تعتلي المنصات، وتسحر الألباب بصوتها وشكلها.
وترىٰ هدرًا للأوقات والأعمار، وحبس للأجيال في عوالم الوهم المظلمة..
فعن أي توجه إسلامي تحدثني؟ هذه القناة ما هي إلا أداة تغريب وتغييب، وأصحابها يهمهم أنفسهم، وفسادهم في الأرض، لا غير.
﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (٩) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (١٠) وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (١١) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (١٢)﴾
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٩-١٢].
– يقال أحببت الأنمي من سبيستون، ولكن إيماني قوي ولا أتأثر بالافكار المنحرفة:
وهذه مخادعة للنفس، الولد الصغير الذي يتكلم هذا، طوال حياته متسمر أمام الأنميات، وغارق في الملهيات، ما تعلم شيئا من دينه، ولا ربّىٰ نفسه، ولا نفض غبار الجهل عنها، وما ملك آليات النقد والتصفية المعينة على تتبع الحق، ونبذ الباطل، فتراه يمر بالكفر ولا يبالي، ويقول لا نتأثر!
هيهات هيهات، بل النفس تألف وتتطبع مع المنكرات، وينكت في القلب نكت سوداء حتى يكون القلب كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ، ولو أنه أقبل على ما ينفعه، وتعلم وتزّكى لأنكر ما شاهد، ولترك وهجر، وعمل بقوله تعالىٰ واتعظ: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا } [سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٤٠]
–
على الأقل “أفضل من غيرها”:
هذه الطريقة بقياس الأمور، سببها الانغماس بالتوافه، فما يعرف الغارق فيها، كيفية المفاضلة بين الأشياء
ينظر للسيء والأسوء، فيأخذ بالسيء وكأن الحياة لا وجود للجيد النافع فيها!
فنسأل المعترض المُدافع عنهم ، لم لا تلتفت لما يصلح لك دنياك وآخرتك وتترك سبيستون وغيرها من الصارفات عن الخير، الملهيات عن الحق ، وتتعلم أن الله سائلك عن وقتك الذي تقضيه، بها وبغيرها!
وقد قال رسول الله ﷺ : ” لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه … ” جامع الترمذي
النزعة الاستهلاكية
لا يخفىٰ علىٰ ذي عينين كمية الإعلانات المهولة التي تبثها سبيستون، وتصم آذان الأطفال، وتسحر بها أعينهم!
تكاد تكون تلك الإعلانات أكثر من عروض المواد الترفيهية؛ مما يحفز النزعة الاستهلاكيّة ويضخمها لدىٰ الأطفال، بل لعل الأمر يصل إلىٰ خلق احتياجات هي -أصلًا- ليست حاجات بالفعل، وإنما طَرق الإعلانات علىٰ مسامع الأطفال جعلهم يشعرون أنه لا ينبغي لطفل أن لا يملك هذه اللعبة، أو تلك الحقيبة، أو، أو..
وهذا ما أشار إليه الدكتور “علاء البيروتي”، استشاري الامراض النفسية والعصبية وتخطيط الدماغ؛ حيث قال: 1
“هذه الإعلانات تنتج جيل استهلاكي، وتنمي النزعة الاستهلاكية غير المبررة لدىٰ الأطفال”.
وقال واصفًا النزعة الاستهلاكيّة:
“مرض وسواسي، تجعل الشخص عنده أفكار تسلطية في اقتناء الأشياء؛ سواء كانت ضرورية أو غير ذلك، وبذلك تصبح جزءًا من شخصية الطفل”.
فالتعرض المستمر لتلك الإعلانات يجعل الطفل دائما متطلع لما لا يملك، دائم الشعور بالاحتياج، وغالبًا يتحول إلىٰ طفل ساخط، وجشع، وطماع، وغير راض، ولا قنوع.
ثم تأتي مصفوفة الأمراض الاجتماعية الناتجة عن ذلك، مثل أن يكون الطفل لا يهتم إلا لنفسه، وبالتمحور حول ذاته؛ مما يعزز النزاعات المادية والفردانية، التي قد تتحول مع الوقت لأمراض نفسية، وقطعًا أمراض اجتماعية..
كما وصف ذلك الدكتور “علاء البيروتي” فقال:
“عدم توفير تلك المتطلبات يولد علاقة غير صحيحة بين الآباء والأبناء، كما يؤثر علىٰ ميزانية الأسرة، وخاصة ميزانية الأسر التي لها حد معين في الدخل؛ وإصرار الاطفال علىٰ شراء تلك الحاجات يكون علىٰ حساب تلبية الاحتياجات الأسرية الهامة!”
الإعلام كله، ومن ضمنه قنوات الأطفال ومَن يديرها- من أهدافهم: تحويل كل الناس إلىٰ مستهلكين لمنتجاتهم الاقتصادية والثقافية، ومَن يُفلت من هذا التحول لمستهلك مخلص، يتحول لعضو مريض بكل أنواع الأمراض النفسية والخُلقية.
وهذا ما أكده الدكتور “البيروتي” بقوله:
“تلك الفضائيات محطات تجارية، لا تهتم بنشوء الأطفال أو نفسياتهم، ولا تهتم بالنشوء السوي للأطفال”.
وبداية رصد الموضوع كانت منذ الجيل الذهبي، وإعلانات سبيستون؛ كل منتج يلصقون فيه اسم الشخصية، ويصبح أداة ضغط للآباء؛ لا بد أن يشتروه لأطفالهم؛ أكل، شراب، معجون أسنان…إلخ.
والمنتجات المعينة الخاصة بالشخصيات، مثل فلة، باربي، سيارات، بلابل، يويو، ورق يوغي… إلخ.
حتىٰ أصبح هناك متاجر خاصة لتلك الأمور، لا تتوقف إعلاناتها ومعارضها.
وصولًا لآخر نسخ من الأمر، وهي قيام الشباب باستيراد أدوات من تلك البلدان، وبيعها في الوطن العربي؛ حيث أصبحت رائجة جدًا، ليست بهدف التجارة -مثلًا- والربح، وإنما بهدف التباهي، والتفاخر، والانغماس في الثقافات الواردة.
الآثار المدمرة لتلك القنوات وإعلاناتها لا تتوقف هنا، لكنها مصفوفة لا نهائية، لا يمكن إيقافها إلا بإيقاف ذلك السرطان المدمر، ولفظه تمامًا من بيوتنا.










