عندما هاجر الحبيب ﷺ إلى المدينة المنورة لأول مرة، وأراد النزول في دار أخواله بني النجار، كان ﷺ كلما مرَّ بدارٍ تلهَّفوا إليه، وتضرعوا أن ينزل عندهم، ويحظوا بشرف وبركة سكنى الحبيب ﷺ وذلك لتعظيم وإجلال النبيﷺ عندهم. فكان بعضهم يأخذ بزمام ناقة النبي ﷺ حتى تنزل عندهم، والحبيب ﷺ يقول لهم: «دعوها فإنها مأمورة».
فكانت الناقة تسير حتى بركت بدار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، واسمه خالد بن زيد، الذي أكرمه الله وحظي بشرف نزول الحبيب عنده، ويا له من حظٍّ عظيم تمناه كل أهل المدينة، بل كل مؤمن. وهو موضع مسجده ﷺ. فقال الحبيب ﷺ: «هاهنا المنزل إن شاء الله، ربِّ أنزلني منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين». لك الآن أن تتخيل شعور أبي أيوب رضي الله عنه! لك أن تتخيل فرحته، وكيف أن الله أراد أن يُنزل في داره خير الخلق ﷺ. لك أن تتخيل شعوره بالاصطفاء وإكرام الله له! هنيئًا له ولتلك الدار، والله. ثم أخذ أبو أيوب رحل الحبيب ﷺ، وأدخله داره، ورحّب به ﷺ. وكانت جواري بني النجار يهتفن ويقلن: نَحْنُ جَوارٍ من بني النَّجَّارِ ** يا حبّذا محمدٌ من جارِ ترحيبًا به ﷺ.
فخرج إليهن وقال: «أتحببنني؟» يسألهن بأبي هو وأمي، ومن لا يحبه ويحب جواره وسكناه؟ ومن لا يتمنى ذاك ولو بروحه؟ فقلن: نعم. فقال: «الله يعلم أن قلبي يحبكن». الله أكبر، الله أكبر، والله لا يسع الدموع إلا أن تسيل، ولا القلب إلا أن يلهث بالدعاء رجاء لقائه ومحبته ﷺ.
ثم خيَّر أبو أيوب رضي الله عنه ضيفه الحبيب ﷺ في النزول في الدار الأسفل أم الأعلى، وكانت داره من طابقين. فاختار ﷺ تواضعًا منه، وليكون أريح لزوّاره، الدار الأسفل. فنام أبو أيوب ليلةً هو وزوجته، فانتبه من نومه فجأة، وقد وقع في قلبه شيء لم يستطع أن يحتمله. فقال لزوجته بصوتٍ مضطربٍ، مستنكرًا الأمر: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ؟! كيف نعلو مكانًا هو فيه؟ فما كان منهما إلا أن انزويا في زاوية من الغرفة، وابتعدا عن وسطها حتى لا يكونا فوقه ﷺ، وكانا لا يتحركان إلا بحذر شديد، وكأنهما يخشيان أن تهتز الأرض من تحتهما فتؤذي الحبيب ﷺ. يا لها من محبة وتقدير عظيم! عرفا قدره وفضله، فلم يهنأ لهما نوم تلك الليلة. فلما كان الصباح، ذهب أبو أيوب إلى الحبيب ﷺ، وقال بأدبٍ جمٍّ: يا رسول الله، لا ينبغي أن نكون فوقك، نمشي فوق رأسك. فرد عليه الحبيب بلطفٍ وتواضع وقال: «السُّفلُ أرفقُ بنا» أي: أسهل لنا ولمن يزورنا. ومن أدبه ﷺ أنه لم يكن يريد أن يُحرج أبا أيوب بنزوله وصعوده، ولما في ذلك من مشقة عليهم، ولم يكن يريد أن يتأذى أبو أيوب وأهله من الزوار، ومن دخولهم وخروجهم. لكن لم يرضَ أبو أيوب بذلك، ولم يسمح له قلبه، فقال بقلب المحب الصادق: «لا أعلو سقيفةً أنت تحتها». انظر إلى أدبه واحترامه رضي الله عنه وأرضاه، كيف انتبه إلى أمور صغيرة كهذه! لكنه عرف الحبيب وعرف قدره، فلم يكن منه إلا إجلاله وتوقيره. ولأن قلبه حيٌّ، ومحبته صادقة، لم ترضَ نفسه أن تؤذي الحبيب ولو بخطوة يمشي بها فوق رأسه. فلما رأى الحبيب ﷺ حرص أبي أيوب وأدبه وعزمه، انتقل إلى العلو، ونزل أبو أيوب إلى الأسفل.
وكان رضي الله عنه يصنع لرسول الله ﷺ طعامه، فإذا جيء لأبي أيوب بما بقي من طعام الحبيب ﷺ، سأل عن موضع أصابعه، حتى يتتبعها، ويأكل من أثره، وينال بركة أنامله ﷺ. وقد أعدَّ أبو أيوب مرةً طعامًا فيه ثوم، وكان الحبيب ﷺ لا يعيب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. فلما جيء بالطعام إلى أبي أيوب، سأل عن موضع أصابع الحبيب ﷺ ليتبعها، فقيل له: إنه لم يأكل ﷺ من هذا الطعام. ففزع وخاف أبو أيوب من عدم أكل الحبيب ﷺ، لخوفه أن يكون أحدث أمرًا أوجب امتناع رسول الله ﷺ من أكله، أو أن يكون آذى رسول الله ﷺ وهو لا يشعر. فصعد وهرع إلى الحبيب ﷺ وسأله عن سبب ترك طعامه، وقال: أحرام هو؟ يقصد الثوم الذي في الطعام. فأجابه ﷺ أنه ليس بحرام، ولكنه يكره أكله. فرد أبو أيوب بحبٍّ واقتداءً بالحبيب ﷺ وقال: فإني أكره ما تكره. الله أكبر! لم يفكر في نفسه، أو في حبه للطعام من عدمه، بل مباشرة اقتدى بالحبيب، واجتنب ما يكره محبةً له.
وهذا من أسمى درجات الحب وأعلى مراتبه: أن يكره المحب ما يكره حبيبه، ويحب ما يحب حبيبه. وكأنه يقول: أهوى ما تهوى، وأكره ما تكره، فما لي عن رضاك يا منيتي نُزهةُ إذا أبغضتَ شخصًا أضحى عدوّي، وإن أحببتَ شيئًا صار لي مِيزةُ.
وقد بيَّن رضي الله عنه سبب امتناع الحبيب ﷺ عن أكل الثوم، فقال: وكان يؤتى ﷺ، أي تأتيه الملائكة ويأتيه الوحي، فكان لا يأكل الثوم حتى لا تكون رائحته في فمه؛ لأن الملائكة تتأذى من الروائح الكريهة. ولذلك قال ﷺ في حديث جابر في الصحيحين: «كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي».
وقد حظيت دار أبي أيوب بنزول الحبيب ﷺ فيها لسبعة أشهر، وأكرم الله أبا أيوب وتفضل عليه بأن رزقه استضافة الحبيب سبعة أشهر، وفي طيلة هذه المدة يأكل من طعام الحبيب ويتتبع أثر أصابعه ﷺ.وقد كان يُكثر الطعام لرسول الله ويُكرمه، وإلا فلا يمكنه أن يتتبع أثره في الطعام القليل. لفتة عظيمة…
قد يسأل أحدنا ويقول: كان هذا في عهد النبي ﷺ، وهو إكرامٌ من الله لأبي أيوب، فكيف يحظى أحدنا بهذا الفضل العظيم؟ اعلم رحمك الله أن تعظيم النبي ﷺ، وإجلاله، وتوقيره، وحرمته، واحترامه بعد موته لازمٌ وواجب، وهو ذاته كما كان حال حياته. وذلك بالوقوف عند أوامره ونواهيه؛ فقد ترك أبو أيوب طعامًا وكرهه لأن الحبيب كرهه. أفلا يجدر بك إن كنت محبًا صادقًا أن تأتي أوامره، وتبتعد عن نواهيه، لأنه هو من أمرك وزجرك؟ وعند ذكر اسمه، فلا يُتهاون أو يُقلل من قول الصلاة والسلام عليه كاملة، لا قول: صعسلم؛ لأنه هو المتفضل عليك لا أنت. فهل تحب أن يُذكر اسمك عنده ويُقال: فلان صلى عليك هكذا؟ وفي حضرة مجالس ذكره، فلا يُرفع صوت عند ذكره، أو في مسجده، أو في روضته الشريفة، ولا يُذكر كأي شيء عابر، بل تجتهد في الطهارة والتطيب، كما لو كنت تحضر مجلسًا فيه الحبيب ﷺ؛ لأن أقواله وأفعاله منه ﷺ، وتوقيرها من توقيره ﷺ. وعند الذبِّ عنه وعن عرضه، ليكن ذبك ودفاعك عنه أكثر من دفاعك عن كل شيء، فهو أغلى وأعظم ما تحبه النفس. هو من جاهد في الله حق جهاده لتكون على ما أنت عليه. واعلم أن حب أبي أيوب تمثَّل في أفعاله لا أقواله فقط، فأنت كذلك، ليكن حبك له أفعالًا لا أقوالًا، وليكن أحبَّ إليك من نفسك وأهلك ومالك، وإلا ما استكملت إيمانك وحبك له.










