وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

|

محبة الرسول ﷺ هي ميل قلب المؤمن إلى رسول الله ﷺ ميلاََ يتجلى فيه إيثار حبه على كل من سواه من البشر وتتشوق النفس إلى معرفة حكم هذه المحبة في الشرع مع بيان أدلتها من الكتاب والسنة.

فأقول إن محبة الرسول ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان يتوقف على وجوده وجود الإيمان، فلا يدخل المسلم في عداد المؤمنين الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه بل ومن الناس أجمعين.

وأدلة هذا كثيرة القرآن والسنة.

فمن القرآن:

(أ) قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: ٢٤].

ففي هذه الآية توعد الله من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بقوله: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، ومعلوم أن الله لا يتوعد أحدََا بمثل هذا الوعيد الشديد إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.

فعُلِمَ بذلك أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الله ورسوله، والجهاد في سبيله أحب إليه من الأهل والإخوان والأموال والأوطان.

يقول القاضي عياض مستدلاََ بهذه الآية:
(فكفى بهذا حضََّا وتنبهََا ودلالةََ وحجةََ على إلزام محبته، ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله).

وقد ذكر الله في هذه الآية ثمانية أصناف وهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال المكتسبة والتجارات والمساكن والديار. وهذه الأصناف تمثل بمجموعها كافة الروابط الاجتماعية والاقتصادية وعليها مدار مصالح الخلق ومعايشهم. وهي التي تجذب الإنسان إلى الأرض وتثقله عن الجهاد في سبيل الله ما لم يكن حب الله ورسوله مستعليََا في قلب المسلم على كل هذه الروابط والمصالح.

وفي ذكر الله للجهاد مقرونََا بحبه سبحانه وتعالى وحب رسوله ﷺ دليل على أنه من أظهر العلامات على ذلك الحب لأنه هو المحك الذي يتجلى فيه صدق هذا الحب وإيثاره على غيره من الكتاب التي ذكرها الله في هذه الآية.

ومن رحمة الله عز رجل أنه لم يذم حب الأهل والأقارب والأزواج ولا حب المال المتكسب والمساكن ولم ينه عن ذلك. وإنما جعل من مقتضى الإيمان إيثار محبة الله ورسوله على حب هذه الأنواع، وكذلك تقديم الجهاد إذا وجب عليها.

وهذا هو حال المؤمنين الصادقين في حبهم لله ورسوله.

(ب) قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: ٦].

فهذه الآية إخبار عن مكانة الرسول ﷺ بين المؤمنين، كما أنها أيضا إخبار عن الحال التي ينبغي أن يكون فيها المؤمنون مع الرسول ﷺ، فهو أولى بهم من أنفسهم ولا يكون كذلك حتى يكون أحب إليهم من أنفسهم.

ويبين ابن القيم أن هذه الآية دليل على أن من لم يكن الرسول ﷺ أولى به من نفسه فليس من المؤمنين ثم يوضح أن هذه الأولوية تتضمن أمرين:

  • ١ – (. . . أن يكون أحب إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره ومع هذا يجب أن يكون الرسول أولى به منها، وأحب إليه منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.

ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه.

  • ٢ – ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها).

فتبين من هذا أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الرسول أولى به من نفسه في كل شيء، وأن يكون حكمه ﷺ في أي شيء مقدما على رغبات النفس وتطلعاتها، بل إن الحياة لتعد هينة ورخيصة بجانب تحقيق ما فرضه الله ورسوله وإن كان على خلاف هوى النفس. لأن نفوسنا تدعونا إلى الهلاك، والرسول ﷺ يدعونا إلى النجاة فكان أولى بنا من أنفسنا ﷺ.

وحينما أيقن المسلمون الأولون بذلك أعزهم الله ومكن لهم في الأرض. فلما غلبت الأهواء واتبعت الشهوات صار الحال مبدلاََ معكوسََا. ذلة وهوان بعد عزة وضياع وتفرق بعد القوة والتمكين. والسبب هو تقديم الأهواء وشهوات الأنفس على ما يحبه الله ورسوله.

الأدلة من السنة:

وقد جاءت الأحاديث لتؤكد مدلول هاتين الآيتين- أبلغ تأكيد وأوضحه؛ ألا وهو وجوب محبة الرسول ﷺ.

فمنها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

فهذان الحديثان من أوضح الأدلة على وجوب محبة الرسول ﷺ لأن المؤمن لايستحق اسم الإيمان الكامل ولا يدخل في عداد الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.

والتعبير ” بأحب ” دليل صريح أن كل المحبة المطلوبة شرعََا هي المحبة الراجحة، وأن الإيمان الكامل متوقف على رجحان هذه المحبة في القلب على ما سواها من محبة سائر المخلوقين.

وخص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله على الإنسان، بل ربما كانا أحب إليه من نفسه، وفي هذا تأكيد على أنه يجب أن يكون الرسول ﷺ أحب إلى نفس المؤمن من كل حبيب وعزيز عليه من سائر البشر جميعا.

ونفيُ الإيمان في هذا الحديث هو نفيٌ لكمال الإيمان الواجب الذي ينجو به صاحبه من الوعيد ويستحق دخول الجنة بفضل الله. وذلك لأن محبة الرسول ﷺ من واجبات الإيمان فمن أخل بها فقد أخل بواجب من واجبات الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها.

لأجل هذا كان التفكر سبيلا من سبل الوصول إلى هذه المحبة. فإذا تفكر المسلم في النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ وأنه سبب نجاته في الدنيا والآخرة، وأدرك ذلك بقلبه يقينا عظمت عند ذاك محبة النبي ﷺ في قلبه.

والمحبة والإيمان أمران متلازمان في قلب المؤمن تلازما مطردا يزيد أحدهما بزيادة الآخر وينقص بنقصانه.

وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده والناس أجمعين».

فقد وضح هذا الحديث العلاقة بين الإيمان والمحبة، إذ علق كمال الإيمان الواجب على وجود المحبة الراجحة لرسول الله ﷺ وجعلها شرطا يتوقف عليه الإيمان الذي ينجو به صاحبه من العقاب ويستحق دخول الجنة بفضل الله ورحمته.

ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان حب الرسول ﷺ في قلب المسلم راجحا على حب ما سواه من النفس والمال والولد وسائر البشر أجمعين.

فمن كان حبه لنفسه أو لشيء من الأشياء كحبه لله ورسوله أو أشد فهو من أصحاب الوعيد لأن الله تعالى جعل المحبة الراجحة لله ورسوله من لوازم الإيمان وجعل ما دونها من أوصاف المشركين.

فقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: ١٦٥].

فإذا قويت المحبة في قلب المؤمن وزادت أثمر ذلك زيادة في الإيمان، وذاق العبد حينئذ حلاوة الإيمان.

كما في صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . .» الحديث).

ولا يصل العبد إلى هذه المنزلة إلا إذا سعى في تحصيل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال. وكلما كان سعي العبد حثيثََا لتحصيل هذه المحبوبات كلما ازداد إيمانه وذاق حلاوته، وإذا قصر العبد في أداء ما كلف به والالتزام بآداب الشرع فإنما يرجع ذلك إلى نقصان في الإيمان الدال على نقصان المحبة. فزيادة المحبة دليل على زيادة الإيمان ونقصانها دليل على نقصان الإيمان.

أما أصل الإيمان فلا يوجد بدون وجود المحبة، ولا يوجد مسلم ليس في قلبه محبة ولو كانت ضعيفة – لرسول الله ﷺ. فتبين لنا من هذا أن العلاقة بين المحبة والإيمان علاقة وثيقة فوجود أحدهما متوقف على وجود الآخر وزيادة أحدهما تعني زيادة الآخر.

المصدر: محبة الرسول ﷺ بين الاتباع والابتداع

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة