جبر اللطيف سبحانه… في أحد ردهات المستشفى التخصصي في جدة بينما يجلس الأب بجوار ابنته التي خرجت للتو من موعدها مع الجرعة لترتاح قليلا أقبلت عليه في وحدته أحزان معاناتها ومرضها العضال وهموم أسرته التي تركها على بعد مئات الأميال وتذكر الرجل هنا أنه فقير ومدين وغريب لا أقارب ولا معارف له في هذه المدينة.
وأنه بالكاد وصل للموعد مع أن العلاج مجاني لكن مصاريف السفر تكرثه وتجحف ببقايا دخله المتهالك صاحبنا التحق بالعسكرية كبيرا فلم يمض إلا سنوات قليلة حتى تقاعد للسن وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب تزوج في بيئة تقاليدها ثقيلة في الزواج فأنجب بناته وأبناءه جميعا وهو لا يزال يسدد المهر وآثاره إذ يقضي الدين بدين جديد ويشتري السيارات بثمن باهظ ليبيعها رخيصة ويسدد وهكذا دواليك.
في هذا المكان البارد الصامت من المستشفى الذي تنبعث منه روائح المطهرات المخيفة المرافقة للخوف في مواكب ذكرياتنا. مع الكبر والضعف والفقر وشجون البنت الصغيرة وملامحها المتعبة كان البكاء هو الشيء الوحيد الذي يجب أن يحضر لتكتمل الصورة…
وقد فعل أجهش الشيخ الكبير
لا مانع من فيضان الموج حين يضيق المحيط فلا أحد هنا يمكن التحفظ منه.
وبينما هو كذلك إذ به يسمع صوتا يسلم عليه ويسأله عن سبب بكائه أجابه في ذهول: لا شيء سوى معاناة ابنتي
واساه الرجل وقال له: لا تبك! أنت من المنطقة الفلانية أليس كذلك! نحن معك! وأنا هنا مثلك أراجع المستشفى لأني سقطت على كتفي كلنا متعبون ولكننا نصبر وأي شيء تحتاجه فهذا جوالي اتصل بي! وانصرف…ا
لأمير نعم لم يكن هذا المار على عجل سوى أمير المنطقة التي يسكنها صاحبنا. الأمير الذي يراجع المستشفى لعارض صحي لفت نظره رجل عليه سيماء أهل منطقته وزيهم وملامح وجوههم كان مشهد الحزن عاديا في مستشفى للأورام المتأخرة والمعضلة حين حدثني صاحبي القصة ذهبت بي الخواطر إلى التأمل والتفكير في رحمة الله ولطفه بعباده…
في هذا المشهد الحزين لهذا الرجل الذي ليس له منصب ولا جاه ولا مال ولا معارف في المكان بل في المدينة برمتها أراد الله أن يجبره لم يرسل له رجلا عاديا يخفف عنه بل أرسل له أمير منطقته مع أنه في منطقة أخرى ويأتي إليه في مكانه وأمام الغرفة التي ينتظر فيها ابنته ويبادره ويواسيه بنفسه…
ويمر به في لحظة فيضان الشجن نفسها بلا ميعاد ولا ترقب أو استجداء لا أحد يجمع كل هذا في لوحة (قدر) واحدة إلا اللطيف الخبير جل جلاله.
المصدر: د.عبد الله بلقاسم










