الأمومة: مشروع الآخرة الصامت

|

الحياة قصيرة جدًا، وعما قليل نحن مغادرون، وإذا مات ابن آدم انقطع عمله، هذه حقائق! فكيف أستطيع أن أجعل عملي عملًا غير مقطوع؟ أحاول أن أجعل من الأمومة وأولادي أوقافًا ممتدة، تُدرّ عليّ الأجور حين ينقطع عملي!.. كلنا يدرك أن زادنا قليل، وسفرنا طويل، وليس معنا شيء؛ فلتكن التجارة التي نسعى إليها إذًا، والزاد الذي نجمعه في أقرب الأقربين! لِمَ لا يكون لي دور هادئ مع أولادي وإخواني؟ ثم هو يتضاعف في ميزاني؟ أعلم أولادي وهم يعلمون أولادهم وأصحابهم ومعارفهم، وهكذا… وأرجو من الكريم الوهاب أن يكون لي أجر نفعهم الناس.

يقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: ٦]، ما قال فقط: عظوهم، بل لا بد أن أسعى لأن يكون لي دور في الوقاية!

البعض يعيش الأمومة هكذا على البركة، لا تستشعر أن حركاتها ومكانتها كلها مرصودة! وأن أولادها يرقبونها في كل شيء، كل شيء مخزن في ذاكرتهم، إذن ماذا أفعل؟ الأمانة ثقيلة! فكيف أستطيع أن أجعل لي أثرًا في بيتي؟

من الأمور العظيمة والتي لها أثرها: الجهاد اليومي في أمر الصلاة! والصبر عليها لتبدأ من البداية مثلًا، حين ينهض البدن في بداية اليوم بثقل، هنا يبدأ دور الأم، ليس في درس أو كلمة تلقيها، لكن انظري كيف تجاهد نفسها وهي توقظهم واحدًا واحدًا! فإيقاظ النائمين من أشق الأعمال! ويحتاج لنفسية منشرحة حتى لا تكون بداية اليوم سيئة بيني وبينه، ثم وهي توقظهم تُسمعهم: “الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور”! تقولينه أمامه بلا أمر مباشر منك، ثم هو سيعلق في وعي الابن، ويعرف أن بداية يومه ذكر الله!

حين يرى الطفل والدته تجاهد نفسها رغم عاطفتها، تقاوم شفقتها وهي تقيمهم من فراشهم وراحتهم، ثم تُخرجهم في وقت الظلمة للصلاة، تدرك أن إيقاظهم هذا نجاة! تُغالب عاطفتها من أجل أنها تدرك المصلحة الأخروية لهم، وليس لأن قلبها غليظ لا يرق…

هذا يدركه الأبناء، ويدركون أنها تريد لهم ما هو أعظم! يرون كيف أن ميزان الصلاة عندها عظيم! (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا، نَحْنُ نَرْزُقُكَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: ١٣٢]، وأنها مستعدة لبذل الكثير من وقتها وجهدها فقط من أجل أن يحافظوا على الصلاة!

يعودون من الصلاة ويجدونها على مصلاها، فيدركون أنها هي كذلك لا تجعل وقت البكور يمر عابرًا! تقرأ القرآن.. تقرأ الأذكار.. تسمع الدرس!

انظري كيف قامت وحركت البيت كله من سكونه، لا تقبل الرقود في هذا الوقت! هي أم تريد أن يكون هذا الوقت حيًّا، لأن الله عز وجل يريد ذلك! وسيتعلم الأبناء مما يرونه، سيعرفون ثقل الأمر، وعظم الصلاة، وأنه يستحق كل هذا البذل!… نعم، كلما كانت هذه الخطوط حمراء ولا تقبل التنازل، ينشأ الصغير وهو يدرك هذه الحقائق.

ثم يبدأ الاستعداد للذهاب للمدرسة، في ظني أن هذه لحظة فارقة؛ لمساتها، دعواتها، وداعها لهم… كل هذا له تأثيره الكبير! تُذكرهم بالخير العظيم الذي ينتظرهم، لا أنه مكان بغيض كما يتوهمون، تذكرهم أنهم يخرجون لمجالس علم، تحفهم الملائكة، تغشاهم الرحمة، تنزل عليهم السكينة.. تفتح له نافذة طيبة في قلبه، وتشعره أنه مُقبل على نافذة من الجنان، سيذهب حيث العلم والصحبة والمتعة! تُسلّط الضوء على مثل هذه الأمور والجماليات في المدرسة، وتحاول ألّا تحمّل هذه اللحظات ما لا تحتمل من الضغط النفسي والتقريع المستمر! بل تستغلها وتجعلها فرصة للغرس!

وهنا يستوقفني كلام الإمام مالك -رحمه الله- حين قال عن أمه: “كانت أمي تعممني، وتقول: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه”… لعلك لاحظت، هو في ذهنه أنه ذاهب لمجلس علم، لكنها لفتت انتباهه ألا يكون تلقفه لجمع المعلومات وحسب، بل ينبغي أن ترصد أيضًا ما ينفعك في حياتك من أدب المعلم وسمته وأخلاقه!

ولاحظي، قالتها له وهو صغير، لكن انظري كيف انتفع بها وبقيت في ذاكرته! إذن، الإشعار بمثل هذا من الغايات التي يخرج صغارنا لأجلها، له مردوده الكبير في نفوسهم.

المصدر: نبض البيت أ.هيلة اليابس

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة