إيجابيات الأنمي لماذا لان نذكرها !

|

هناك تساؤلٌ كثيرًا ما يُثار في الأذهان، ومفاده: لِمَ لا تذكرون إيجابيات الأنمي كما تذكرون سيئاته؟

أليس فيها ما يدعو إلى الأمل، ويُغذّي التمسك بالحياة، ويُنمّي النزوع إلى السلام، ويُقوّي رابطةَ الصداقة، وسائرَ الخصال المحمودة؟

قلنا: إن هذا الكلام الذي يُلبَس ثوبَ العاطفة والإنصاف ليس في حقيقته إلا مغالطةً قديمةً تُجمِّل القبح وتُسوِّق للباطل!

فليس كل ما يُشعِرُ القلب لحظةً بالدفء يكون نافعًا للعقل، ولا كل ما يثير الحماسة في النفس يكون صالحًا لبناء الإنسان.

وقد اعتاد كثير من هذه الأعمال أن تُقدِّم للناس جرعاتٍ سريعة من المتعة، ثم تترك في الداخل فراغًا طويلًا من التعلّق والوَهْم والاضطراب.

نعم، قد تتزيّن هذه الأعمال بشعارات براقة: الصداقة، الوفاء، الصبر، السعي، عدم الاستسلام. 

لكن السؤال ليس: هل فيها هذه العناوين؟ بل: بأي صورة تُقدَّم، ولأي غاية تُزرَع، وبأي ثمن تُشترى؟ 

إن الفضيلة حين تُعرَض في قالبٍ من المبالغات الخيالية، والبطولات المستحيلة، والانفعالات المصطنعة، تفقد كثيرًا من معناها التربوي، وتتحول إلى مجرد مؤثر درامي يُستهلك كما تُستهلك الأغنية الرنّانة ثم تُنسى.

وأعظم ما يُؤخذ على هذه الأعمال أنها تُربّي الذهن على الهروب لا على المواجهة؛ على تعليق الأمل بالصور الوهمية لا بالعمل الحقيقي؛ على استبدال الواقع المعقّد بعالمٍ مصنوعٍ على مقاس الرغبات.

فهي تُنمّي العيش داخل الخيال، وتُضعف الصلة بالتدبر والجدّ والانضباط. ومن يعتد التلقي بهذا الشكل يبدأ شيئًا فشيئًا في طلب الحياة السهلة المعلبة، حيث كل مشكلة تُحلّ بصرخة، وكل ألم يُمحى بلقطة، وكل أزمة تُتجاوز بقوة غامضة أو مصادفة درامية.

ثم إن كثيرًا منها لا يكتفي بتضييع الوقت، بل يسرق معه الذوق والفكر معًا؛ يملأ النفس بصخبٍ بصري وسمعي، ويعوّدها الإفراط في الإثارة، حتى يصبح التأمل مملًا، والقراءة ثقيلة، والواقع أبطأ من أن يُحتمل.

وهذه من أخطر المفاسد: أن يُصاب الإنسان بعجزٍ تدريجي عن الصبر على الجهد الصادق، لأنه تعوّد التسلية السهلة، والجرعة السريعة، والانفعال الجاهز.

وليس الأمر مقصورًا على إضاعة الوقت أو تضخيم الخيال، بل يتجاوز ذلك إلى فساد التصور والقيم. فكثير منها يمرر العنف بوصفه بطولة، والتمرد بوصفه تحررًا، والمظاهر الخارقة بوصفها طريقًا للمعنى، ويُزيّن العلاقات المضطربة، ويخلط بين القوة والغرور، وبين الجرأة والوقاحة، وبين الحب الحقيقي والتعلق المرضي، والهشاشة النفسية.

بل إن بعضه يفتح أبوابًا على تصورات خرافية، وعوالم سحرية، ورموزٍ عقدية وفكرية ملتبسة، فتتلوث الفطرة دون أن يشعر المتلقي.

من إيجابيات الأنمي أنه علمنا الصداقة!

إن “رابطة الصداقة” التي يتغنى بها هؤلاء ليست دائمًا رابطةً تربوية راشدة؛ فكثيرًا ما تكون صداقةً قائمة على التبعية العاطفية، والتعلق المرضي، وتقديس الرفقة، وتغليب المجموعة على المبدأ. 

بينما الصداقة في ميزان القيم ليست مجرد ضحكٍ مشترك ولا مواقف بطولية مكررة، بل هي تعاون على الحق، وتزكية للنفس، وضبط للسلوك، ووقوف مع الخير حين يضعف الناس عنه.

فإذا وُضعت هذه الحسنات المزعومة في كفة، ووُضعت في الكفة الأخرى مفاسد التضييع، والتسطيح، وإفساد الذوق، وتضخيم الوهم، وتطبيع الخرافة، وإشاعة العنف، وإضعاف الانتباه، وإغراق النفس في عالمٍ بديل، ظهر لك أن ما يُسمونه “إيجابيات” ليس إلا زينةً سطحيةً تُخفي تحتها خللًا عميقًا. 

إن الحق لا يُقاس بلمعة المشهد، بل بأثره في العقل والقلب والسلوك.

ولهذا فليس من الإنصاف أن يُقال: فيها بعض الخير، إذ كل شيء فيه بعض الخير. بل الإنصاف أن يُقال: نعم، قد تلامس بعض الأعمال معنى حسنًا هنا أو هناك، لكنها في الغالب تُقدَّم في سياقٍ فاسد، وتُغلف بوسيلةٍ مفسدة، وتُستهلك على نحوٍ يُضعف الإنسان أكثر مما يبنيه. 

والنتيجة النهائية ليست تنمية الروح، بل استنزافها؛ ليست تقوية الإرادة، بل تعويدها على الخيال؛ ليست تهذيب النفس، بل تكديس الأوهام في داخلها. يراجع مقال ” تأثير أعمال الأنمي على النفوس ” للأهمية.

إن من يظن أن هذه الأعمال تصنع إنسانًا أقوى وأصفى وأصلب، كمن يظن أن اللمعان يغني عن الجوهر.

والإنسان لا يُبنى بالانبهار، بل بالبصيرة؛ لا يُربّى بالاستثارة، بل بالحق؛ لا يسمو بالتعلق بعوالم مصنوعة، بل بالانفكاك منها إلى ما ينفعه في دينه وعقله وواقعه، والله المستعان.

انتهى.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة