المرجعية 

|

المرجعية السليمة هي التي تحدد مدى انتفاعك بعموم الخطاب الذي نوجِّهُه إليك،  ، لكن لماذا؟

أصلًا، ما المرجعية؟

سأخبرك: التعريف اللغوي لهذا المصطلح هو (العود إلى ما كان منه البدء) و(الرجوع إلى الموضع الذي كان فيه) والملاحَظ في هذا التعريف أنه يتضمن العودة إلى شيءٍ ثابت، حتى لا يكون متقلبًا مع الأهواء. 

أما التعريف الاصطلاحي، فهو (الأصل الذي يُرجَع إليه عند الاختلاف، بل في كل وقت، في علمٍ أو أدبٍ أو أي شأنٍ من الشؤون).

وفي هذا الإطار الثقافي المتشعِّب، تتعدد المرجعيات: دينية، وعلمية، وأخلاقية.

غير أنّ السؤال الأهم: هل كل مرجعية تصلح لأن تكون مرجعية؟

والجواب: لا، بالطبع؛ فثمة مرجعية إلهية لا تخطئ، تتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وثمة مرجعية سماوية غير أنها حُرِّفت، وثمة مرجعية وثنية لا تقوم على هدى أصلًا.

أما المرجعية العلمية، فشأنها شأن البحث والنظر؛ تتطور نظرياتها بظهور أدلة جديدة، بل إن بعض ما يُظن دليلًا لا يصلح أصلًا للاحتجاج.

وأما المرجعية الأخلاقية، فليست على وتيرة واحدة، بل هي نسبية تتأثر بالبيئة والمجتمع والبقعة الجغرافية التي نشأ فيها الإنسان.

ستسألني الآن: ما أهمية المرجعية؟

تكمن أهميتها في أنها القاعدة التي يُردّ إليها في فهم الأفكار والمذاهب، والميزان الذي يزن به الإنسان ما يسمع وما يرى، وبها ينجو العقل من الاضطراب بين الآراء المتناقضة.

فبدون مرجعية واضحة يصبح الإنسان كمن يتنقل بين أبواب كثيرة، لا يدري أيُّها يفتح على الحقيقة، وأيُّها يفضي إلى السراب.

ومن هنا، فالمرجعية ليست ترفًا فكريًا، ولا تفصيلًا ثانويًا في بناء الوعي؛ بل هي التي تصوغ طريقة الفهم والتلقي.

ففي البحث العلمي مثلًا، لا يكفي أن نسمع قولًا، بل نحتاج إلى أصلٍ نرجع إليه، ودليلٍ يسند ذلك القول.

وكذلك في عالم الأنمي، ترى بعض “الأوتاكو” يظنون أن مرجعيتهم فيه ثابتة لا تتبدل، وهذا وهمٌ لا تصمد له أدنى نظرةٍ فاحصة؛ فالأعمال تختلف باختلاف مؤلفيها، والشخصيات نفسها قد تُبنى على تصوراتٍ ورؤى متباينة داخل العمل الواحد. 

ومن ثم تراهم في التعليقات يتجادلون طويلًا، وكأن لكل رسمةٍ فلسفةً كبرى لا يجوز الاقتراب منها، مع أن كثيرًا من هذا الجدل -فضلًا عن كونه مضيعةً للوقت- لا يقوم على أصلٍ متين، بل على انبهارٍ بالشكل، واتباعٍ للضجيج.

ولذلك، فإذا كنا نريد فعلًا أن نناقش متابعي الأنمي، فلا بد أولًا أن نتفق على المرجعية التي يُحاكَم إليها المحتوى؛ لأن محاورة شخص لا يملك أصلًا ثابتًا يشبه محاولة النقش على الماء!

فمرة يحتكم إلى (حرية الكاتب)، ومرة إلى (الفلسفة العميقة)، ومرة إلى (أنت لم تفهم الشخصية أصلًا)؛ حتى تظن أن الحلقة الواحدة خرجت من أكاديمية أفلاطون، لا من استوديو رسوم متحركة!

ثم إن العجيب أن كثيرًا منهم يتعامل مع الأنمي وكأنه عالم منفصل عن الواقع، مع أن الأعمال نفسها محمّلة بعقائد وأفكار وقيم ورؤى للحياة؛ بل إن بعض الشخصيات لا يمكن فهمها أصلًا إلا بعد فهم المرجعية التي كُتبت منها.

وأخيرًا، فالإنسان الذي لا يملك مرجعية ثابتة لن يشاهد فقط.. بل سيتشكل من حيث لا يشعر.

أما من امتلك أصلًا واضحًا وميزانًا مستقيمًا، فإنه سيتقبل النصيحة بهدوء؛ لأننا لا نقوم إلا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسدّ هذا الثغر الذي أوتيت الأمة من قِبله.

حينها فقط يصبح الحوار نافعًا، ويغدو النقد مفهومًا، ويخرج الإنسان من عبودية الترند إلى حرية الوعي والبصيرة.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة