عرف العلماء الغيبة بأنها: اسمٌ مِن اغتاب اغتيابًا، إذا ذكرَ أخاه بما يكره من العيوب وهي فيه، فإن لم تكن فيه فهو البهتان، كما في الحديث: “قيل ما الغيبة يا رسول الله؟ فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته”.’¹’
والغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وعدها كثير من العلماء من الكبائر، وقد شبه الله تعالى المغتاب بالآكل لحم أخيه ميتًا، فقال سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ الآية.
ولا يخفى أن هذا المثال يكفي مجردُ تصوره في الدلالة على حجم الكارثة التي يقع فيها المغتاب؛ ولذا كان عقابه في الآخرة من جنس ذنبه في الدنيا، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم -ليلة عرج به- بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قال: فقلت: “من هؤلاء يا جبريل؟” قال: “هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم”. والأحاديث في ذم الغيبة والتنفير منها كثيرة، نكتفي بذكرِ شيءٍ يسير فقط لوضوح تحريمها:
- قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. [الحجرات: ١٢].
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذِكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه.’²’
- عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على قبرين فقال: أما إنَّهما ليُعذَّبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، قال: فدعا بعسيبٍ رطْبٍ فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا ثم قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا.’³’
وأسباب الغيبة الباعثة عليها كثيرة، منها: الحسد، واحتقار المغتاب، والسخرية منه، ومجاراة رفقاء السوء، وأن يذكره بنقص ليظهر كمال نفسه ورفعتها، وربما ساقها مظهرًا الشفقة والرحمة، وربما حمله عليها إظهار الغضب لله فيما يدعي، إلى غير ذلك من الأسباب.
وأما علاجها فله طريقان: طريق مجمل، وطريق مفصل كما ذكر الغزالي.
فالأول: أن يتذكر قبح هذه المعصية، وما مثل الله به لأهلها، بأن مثلهم مثل آكلي لحوم البشر، وأنه يعرض حسناته إلى أن تسلب منه بالوقوع في أعراض الآخرين، فإن حسناته تنقل يوم القيامة إلى من اغتابه بدلًا عما استباحه من عرضه، فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها؛ خوفًا من ذلك.
أما طريق علاجها على التفصيل: فينظر إلى حال نفسه، ويتأمل السبب الباعث له على الغيبة فيقطعه؛ فإن علاج كل علة بقطع سببها.
فإن وقع العبد في هذا الذنب فليرجع إلى الله سبحانه وليتب إليه، وليبدأ فليتحلل ممن اغتابه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من كانت له عند أخيه مظلمة من عرضه أو شيء فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه”.’⁴’
فإن خشي إن تحلله أن تثور ثائرته ولم يتحصل مقصود الشارع من التحلل، وهو الصلح والألفة؛ فليدع له، وليذكره بما فيه من الخير في مجالسه التي اغتابه فيها.
ومما ينبغي التنبه له أن الشارع أباح الغيبة لأسباب محددة من باب الدخول في أخف المفسدتين دفعا لأعظمهما، وهي:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي، وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته، فلان يعمل كذا فازجره عنه.
الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي بكذا فهل له كذا؟ وما طريقي للخلاص ودفع ظلمه عني؟
الرابع: تحذير المسلمين من الشر، كجرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين، ومنها: إذا رأيت من يشتري شيئًا معيبًا، أو شخصًا يصاحب إنسانًا سارقًا أو زانيًا أو ينكحه قريبة له، أو نحو ذلك، فإنك تذكر لهم ذلك نصيحة، لا بقصد الإيذاء والإفساد.
الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته، كشرب الخمر ومصادرة أموال الناس، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر.
السادس: التعريف، فإذا كان معروفا بلقب كالأعشى والأعمى والأعور والأعرج جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقيصًا، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى. وقد نص على هذه الأمور الإمام النووي في شرحه لمسلم، وغيره. والله أعلم.
“فمن الناس من يغتاب موافقةً لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريءٌ مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم.
ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب؛ وإنما أخبركم بأحواله. ويقول: والله إنه مسكينٌ أو رجلٌ جيد، ولكن فيه كَيت وكَيت. وربما يقول: دعونا منه اللهُ يَغفرُ لنا وله؛ وإنما قصده استنقاصه وهضمٌ لجانبه.
ويخرجون الغيبة في قوالب صلاحٍ وديانةٍ يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقًا؛ وقد رأينا منهم ألوانًا كثيرة من هذا وأشباهه.
ومنهم من يرفع غيره رياءً فيرفع نفسه فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت وكيت ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده. أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم؛ وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه.
ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد. وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دينٍ وصلاحٍ أو في قالب حسدٍ وفجورٍ وقدحٍ ليسقط ذلك عنه.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب؛ ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت وكيف فعل كيت وكيت، فيُخرجُ اسمَه في معرض تعجبه.
ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول: مسكينٌ فلانٌ غمّني ما جرى له وما تمّ له؛ فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطوٍ على التشفي به ولو قَدَر لزاد على ما به وربما يذكره عند أعدائه ليَشْتَفوا به. وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.
ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضبٍ وإنكار منكر؛ فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصدُهُ غيرُ ما أظهر. والله المستعان.”‘⁵’
‘¹’ رواه مسلم.
‘²’ رواه مسلم (2589).
‘³’ رواه البخاري (213) ومسلم (292).
‘⁴’ متفق عليه من حديث أبي هريرة.
‘⁵’ ابن تيمية رحمه الله










