معاني الرجولة بين أمس واليوم! حين نتحدث عن حقوق الرجل هنا يقودنا الحديث بشكل ضروري وملح لوقفة مع الصفات الرجولية التي أصبحت محاربة في مجتمعاتنا، وهي صفات كانت معلما بارزا في زمن السلف الصالح، ولذلك كان رجالهم يحملون قلوبا تشق الصخر وتمشي على الجمر وتصنع المجد بيقين لا ينضب!
معاني الرجولة أصبحت محاربة بشراسة في زماننا ومحاربة من بني جلدتنا، لم تكن النسوية لوحدها من يحاربها بل كان الفهم الخاطئ والسعي الظالم لكل ما يهدم ما تنشده تربية نجيبة لصناعة الرجال بخصائصهم المهيبة! لتحمل أعباء القوامة والولاية وكل مسؤولياتهم التي تقوم بفضلها الأمة قوية عزيزة شامخة!
منذ هدمت معالم الرجولة كان كسرنا عظيما، فقد استرجلت النساء واستشرى الفساد واختلت موازين الأسر والمجتمعات! لو تأملنا في كل حالة خلاف وتصدع في بيت من البيوت، لوجدنا أن السبب الأساسي فيها ولا أبالغ هو درجة البعد عن هدي الإسلام في التعاملات والأحكام!
الاستهانة التي جعلت منا ضحية وجناة في الوقت نفسه! لأن لكل تفريط ثمن! وكان لابد للتفريط في حفظ معاني الرجولة ضرائب ندفعها داخل الأسر وداخل المجتمعات وداخل الأمة برمتها.
قال الإبراهيمي رحمه الله:”إن للرجولة ضريبة وعليها مسؤولية لأن الرجال هم القمم الشامخة والعلامات البارزة والأئمة الدعاة الذين يقودون الأمة الإسلامية إلى مواطن النصر”.
على هذه المعاني تربى الأجيال الواعدة. ولن تنبعث الأمة من جديد حتى تُحفر معاني الرجولة في صغارنا كقادة أفذاذ مقبلين.
وكلما نجحنا في حفظ معاني الرجولة، حفظنا الأنوثة وحفظنا النساء إماء لله صالحات بارات مصلحات!
قال الراغب الأصفهاني:”جعل اللَّه سبحانه هذه القوة في الإنسان سببًا لصيانة الماء وحفظًا للإنسان، ولذلك قيل: كلُّ أمة وضعت الغَيْرة في رجالها وضعت العفة في نسائها، وقد يستعمل ذلك في صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته”.[1]
ونشاهد اليوم كيف تحارب جميع معاني الرجولة في زماننا وتدفع المرأة دفعا لمزاحمة الرجال في صفاتهم ومهامهم ورجولتهم، وهذا من أكثر ما فتك بموازين الأسر ومنظومة الحياة!
لقد بدأت هذه العملية من وأد الرجولة في مهدها مبكرا جدا من خلال برامج الإعلام المدروسة بعناية لتعويد الرجال على فقدان غيرتهم! وفي برامج التعليم الدراسي ونظم العيش كلها! لقد استشرت الاستهانة بالمنكر واستثقال الأمر بالمعروف والنصيحة! وحورب الرجل حربا شرسة تعمل على مساواته بالمرأة وفتنته بالمرأة وشغله بهذه المرأة وليتها كانت زوجه بل أبواب فتنة مشرعة لهدم رجولته وكل حس تقوى!
قال ابن القيم رحمه الله: “إن أصل الدين الغَيْرة، ومن لا غيرة له لا دين له، فالغَيْرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغَيْرة تميت القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة، ومثل الغَيْرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلًا، ولم يجد دافعًا، فتمكَّن، فكان الهلاك، ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وولده، فإذا تكسرت طمع فيها عدوه”[2].
لقد فقدنا الغيرة على محارم الله على حدوده على كل ما يحفظ ديننا من عبث العابثين والمتسلقين والمنافقين والأعداء! فكانت بداية انهيار هيبة أثر هذا الدين في حياتنا ومجتمعاتنا.
استوقفني طويلا قول البشير الإبراهيمي رحمه الله حين قال:” لو بقي الإسلامُ على رُوحانيَّتِه القويةِ، ونورانيَّتِه المشرقةِ، ولو لم يُفسِدْه أهلُه بما أدخَلوه عليه مِن بِدَعٍ، وشانُوه به مِن ضلالٍ – لطبَّقَ الخافقينِ”. [3]
كلما اقتدينا برسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح كنا الأقرب من التمكين والنصر وكل توفيق! كلما تمسكنا بهدي القرآن والسنة بفهم السلف الصالح تمكنا من التخلص من الكثير من العقبات في الطريق! كلما أعدنا التوحيد والسنة كأسس وقواعد نبني عليها أعمالنا وأهدافنا .. حققنا خطوة مباركة باتجاه “خلافة على منهاج النبوة”. البداية من قلب موحد مستن بسنة نبيه، وأسرة على ذلك، ومجتمع على ذلك، وأمة على ذلك!
وفي الوقت الذي ننصح فيه النساء بحفظ حقوق الرجال في زمن تحارب فيه هذه الحقوق وينازع عليها منازعة ملك وإمارة! فإن على الرجل أن يصيغ نفسه على معاني الرجولة على طريقة السلف يدرك عظم المسؤولية والمهام التي يحملها على كاهله!
وكذلك المرأة يجب أن تقتدي بهدي أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهم أمة لله ترجو رحمته. تحفظ مقام زوجها وغيرته، وتبني معه جسور الثقة وتصونها بكل ما أوتيت من اجتهاد وقوة، وتسد حاجاته النفسية والجسدية ولا تتركه لمكائد الشيطان! وتعامله معاملة الزوج بتقدير واحترام يحفظ مقامه في البيت! إن أول دور للمرأة هي أن تكون أفضل دافع لاكتمال معاني رجولة زوجها! وهذا لا يكون إلا من أمة لله مؤمنة مكتملة الأنوثة والرضا بما وهبها الله من صفات فطرية وخلقية، تمارس بها دورها في الحياة بوعي واحتساب.
كل امرأة سعت لحفظ هذه الحقوق لزوجها وكان رجلا، ستشاهد قول المتنبي في حياتها، إذا أنت أكرمت الكريم ملكته!
وفي الواقع ومن يتأمل في تجارب الأسر، يرى أن كل ما يطلبه الرجال في بيوتهم هو استشعار رجولتهم، ومن لم تحقق هذا المطلب المصيري لعطاء الرجل وثباته وفعاليته، ستفقد أجمل ما يمكن أن تحصل عليه من أثر تفاعل مهيب بينهما.
ولأن النساء انشغلن عن هذا الواجب بكل هامشي، وهدام، لابد أن نذكر كل زوجة اليوم أن الاهتمام بزوجك لوحده أعظم مشروع في سبيل الله، وأعظم ما تتقربين به إلى الله لنصرة دينه ونهضة أمة نبيه صلى الله عليه وسلم!
- [1] (الذريعة إلى مكارم الشريعة) (ص 347).
- [2] (الجواب الكافي) (ص 68).
- [3] آثار الإبراهيمي (385/2)
د.ليلى حمدان










