التشاؤم والتطير

|

التشاؤم والتطير… من رواسب الجاهلية إلى نور التوحيد

كان العرب في الجاهلية يؤمنون بكثير من المعتقدات الباطلة، ويعظمونها في نفوسهم، حتى ترسخت في عاداتهم وأصبحت جزءًا من ثقافتهم وهويتهم. ومن أبرز تلك المعتقدات: التشاؤم والتطير، وذلك بسبب جهلهم بالله تعالى، وضعف توكلهم عليه، وسوء ظنهم به سبحانه.

وكان التشاؤم منتشرًا بينهم بصور متعددة، منها:
  • التشاؤم بالأيام والشهور.
  • التشاؤم بالأشخاص أو الأماكن.
  • التشاؤم بالحيوانات والجمادات، وغيرها من صور الطيرة التي لا تقوم على دليل.

التطير في القرآن الكريم

لقد ذكر القرآن الكريم حال الأمم السابقة مع التطير، مبينًا أنه من صفات المكذبين بالرسل.

قال تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 131].

وقال تعالى:
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: 18-19].

فقد كان بنو إسرائيل يتشاءمون بموسى عليه السلام ومن معه، فإذا أصابتهم شدة أو قحط أو بلاء، نسبوا ذلك إلى موسى، وقالوا: ذهبت بركتنا ورخاؤنا منذ جاءنا. أما إذا أصابتهم العافية والرخاء، نسبوا ذلك إلى أنفسهم، ولم يشكروا الله تعالى.

وهكذا كان شأن كثير من الأمم؛ يعلّقون أسباب الخير والشر على أوهام لا حقيقة لها، ويغفلون عن أن الأمور كلها بقضاء الله وقدره.

موقف الإسلام من التشاؤم

لما جاء الإسلام أبطل هذه المعتقدات الجاهلية، وربط القلوب بالله وحده، وأمر بحسن التوكل عليه، وحذّر من التشاؤم والتطير؛ لأنهما ينافيان كمال التوحيد.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
«الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وما مِنَّا إلا، ولكنَّ الله يُذهبه بالتوكل».

ووصفها النبي ﷺ بالشرك؛ لأنها تعلق القلب بغير الله، وسوء ظن به سبحانه، مع أن الخير والشر، والنفع والضر، كلها بيده وحده.

فإذا امتلأ القلب بالتوكل على الله، وحسن الظن به، زال عنه التشاؤم، وأيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

هدي النبي ﷺ في التفاؤل

التشاؤم والتطير

كان رسول الله ﷺ يحب الفأل الحسن، ويكره التشاؤم، ويحسن الظن بربه في جميع أحواله، ويعلم أصحابه أن المؤمن ينظر إلى الأمور بعين الإيمان، لا بعين الأوهام.

فالمؤمن يعلم أن كل ما يقدره الله له خير، وأن ما أصابه إنما هو لحكمة ورحمة، وإن خفيت عليه.

ولهذا كان التفاؤل من أخلاق الأنبياء، أما التشاؤم فمن بقايا الجاهلية.

صور من التشاؤم في زماننا

ومع الأسف، لا تزال بعض صور التشاؤم متداولة بين الناس، وإن اختلفت أشكالها، ومن ذلك:

  • الاعتقاد أن رفرفة العين، ولا سيما اليسرى، علامة على وقوع شر، فإذا وافق ذلك حادثةً قال صاحبها: كنت أعلم أن شيئًا سيئًا سيقع.
  • التشاؤم بشهر صفر، أو ترديد بعض العبارات المتعلقة برجب أو غيره من الشهور، واعتقاد أن فيها شؤمًا أو كثرة موت، من غير دليل.
  • اعتقاد بعض التجار أن أول زبون في اليوم هو الذي يحدد بركة البيع، فإن لم يشترِ تشاءم من يومه كله.
  • قول بعض الناس لمن أصابته شرقة مفاجئة: إن فلانًا يذكرك بالسوء، أو يتحدث عنك الآن، وهو اعتقاد لا أصل له.

وكل هذه الاعتقادات لا تقوم على دليل شرعي ولا على برهان عقلي، وإنما هي أوهام توارثها الناس، فأثرت في قلوبهم وسلوكهم.

إن العقيدة الصحيحة تحرر القلب من الخرافات والأوهام، وتعلقه بالله وحده، فلا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه، ولا يربط ما يجري في حياته بأيام أو أشخاص أو حركات أو مصادفات.

فلنصحح معاييرنا، ولنُجدّد توحيدنا، ولنعلم أن التشاؤم ليس أمرًا هيّنًا؛ لأنه يضعف التوكل، ويفسد حسن الظن بالله، وقد يقود صاحبه إلى ما نهى عنه النبي ﷺ من أعمال الجاهلية.

فالواجب على المسلم أن يملأ قلبه يقينًا بربه، وتوكلًا عليه، وحسن ظن به، وأن يعلم أن الخير كله بيد الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

للمزيد:
ﺃﻻ ﻛﻞ ﺷﻲء ﻣﻦ أﻣﺮ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﺗﺤﺖ ﻗﺪﻣﻲ
بدع محرم وصفر

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة