الأسرى المسلمين في سجون الظالمين

|

هموم أمتي… إلى أين؟
وجع الأسرى المسلمين في سجون الظالمين

حين تُقيَّد الأجساد… وتبقى الأرواح معلَّقةً بوعد الله

ليس أثقل على قلب المؤمن من أن يعلم أن له إخوةً يقضون أعمارهم خلف الجدران، بعيدًا عن الأهل والأوطان، تتناوب عليهم الليالي والأيام، ولا يملكون من الدنيا إلا يقينًا يثبتهم، ورجاءً لا ينقطع بربهم.

الأسر ليس رقمًا في نشرات الأخبار، ولا صورةً عابرةً في وسائل الإعلام، بل هو حياةٌ كاملة تُنتزع من أصحابها. هو أمٌّ تنتظر ولدها أعوامًا، وزوجةٌ تحيا على أمل اللقاء، وطفلٌ يكبر وهو لا يعرف من أبيه إلا صوته أو صورته، ووالدان يذبل العمر في أعينهما وهما يترقبان خبرًا يحيي القلوب بعد طول انتظار.

وفي زنازين الظالمين تتجرد الإنسانية من كثيرٍ من معانيها؛ عزلةٌ طويلة، وحرمانٌ من الأهل، وإهمالٌ طبي، وتجويع، وتعذيبٌ جسدي ونفسي، وإذلالٌ متكرر، ومحاولاتٌ لكسر الإرادة وإطفاء نور الإيمان في القلوب. وما خفي من الآلام أعظم مما يصل إلى الناس؛ فكم من وجعٍ لا تنقله الكاميرات، وكم من دمعةٍ لا يراها أحد إلا الله.

ومع ذلك، فإن التاريخ يشهد أن السجون لم تستطع أن تهزم العقيدة، وأن القيود لم تستطع أن تكسر الإيمان. فقد ابتُلي الأنبياء والصالحون، وسُجن المصلحون، وأُوذوا في سبيل الله، ولكنهم خرجوا من محنهم أكثر يقينًا، وأشد تعلقًا بربهم.

إن الإسلام دين العدل حتى مع الأعداء، وقد أمر بالإحسان إلى الأسير، فقال سبحانه:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.

فإذا كان هذا هو خلق الإسلام مع أسير الحرب، فكيف بمن يُعذَّب، ويُهان، ويُحرم من أبسط حقوقه لأنه مسلم، أو لأنه يدافع عن أرضه، أو لأنه وقع في يد من لا يرقب في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمة؟

إن ما يتعرض له كثير من الأسرى المسلمين من ظلمٍ، وتعذيب، وإذلال، إن ثبت وقوعه، فهو من أعظم صور العدوان على الكرامة الإنسانية، وهو شاهد على انهيار القيم عند من يرفعون شعارات الحقوق والحرية، ثم يغضون الطرف عن معاناة المستضعفين إذا خالفت أهواءهم ومصالحهم.

الأسرى المسلمين في سجون الظالمين

ومع كل ذلك، يبقى السؤال المؤلم: أين الأمة؟

أين القلوب التي كانت ترتجف لآلام إخوانها؟ وأين الدعوات الصادقة في جوف الليل؟ وأين استشعار الأخوة التي جعلها الله رابطةً لا تقطعها الحدود ولا السجون؟

لقد قال رسول الله ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

فهل ما زال الجسد يشعر بألمه؟ أم أن كثرة المصائب أورثت كثيرًا من الناس اعتياد المشاهد، حتى أصبحت المآسي تمر بلا دمعة، ولا دعاء، ولا اكتراث؟

إن واجب المسلم ليس أن يحول القضية إلى شعارات موسمية، ولا أن يجعلها مادةً للجدل، وإنما أن يؤدي ما يستطيع من النصرة المشروعة؛ بالدعاء، والصدق في نقل الأخبار، وإحياء قضيتهم في النفوس، ومواساة ذويهم، وتربية الأجيال على أن الأسرى ليسوا أرقامًا، بل رجالًا ونساءً دفعوا من أعمارهم وأجسادهم ثمنًا باهظًا.

وسيأتي يوم يقف فيه الظالم والمظلوم بين يدي الله، لا يحجب سلطانٌ سلطانًا، ولا تنفع قوةٌ صاحبها، ولا تضيع عند الله دمعةٌ سالت، ولا آهةٌ خرجت من قلبٍ مكلوم، ولا صرخةُ مظلومٍ ظن الناس أنها ضاعت في ظلمات السجون.

قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.

فيا رب، يا من لا تخفى عليه خافية، كن للأسرى معينًا ونصيرًا، واربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وفرج كربهم، وفك أسرهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية، واجعل للظالمين يومًا يرون فيه عدلك الذي لا يُرد، فإنك نعم المولى ونعم النصير.

للمزيد:
كاتبة أويغورية تتذكر السجن والتعذيب في المعسكرات الصينية
حرمةُ دم المسلم: بينَ غزوةِ مؤتة واليوم

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة