لماذا يبدأ التقويم الهجري بالمحرم مع أن الهجرة كانت في ربيع الأول؟
تصحيح مفهوم شائع
يظن كثير من المسلمين أن ابتداء السنة الهجرية بشهر الله المحرم يعني أن هجرة النبي ﷺ وقعت في هذا الشهر، وهذا من المفاهيم الشائعة غير الصحيحة؛ فإن الهجرة النبوية المباركة وقعت في شهر ربيع الأول، بينما اختار الصحابة رضي الله عنهم شهر المحرم ليكون أول السنة الهجرية عند وضع التقويم الإسلامي.
ومعرفة هذه المسألة تزيد المسلم تعظيمًا لتاريخ أمته، وتكشف جانبًا من فقه الصحابة رضي الله عنهم وحسن تدبيرهم في تنظيم شؤون المسلمين.
متى وقعت الهجرة؟
ثبت في السيرة النبوية والأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ خرج من مكة، ومكث في غار ثور ثلاث ليالٍ، ثم واصل طريقه حتى وصل إلى المدينة في شهر ربيع الأول، ولذلك لم تقع الهجرة في شهر المحرم كما يظنه بعض الناس.
ومن أقوى الأدلة على ذلك ما ثبت في الصحيح من أن النبي ﷺ توفي في شهر ربيع الأول، وقد أقام في المدينة بعد الهجرة نحو عشر سنين، مما يدل على أن قدومه إليها كان أيضًا في شهر ربيع الأول، وهو ما اتفق عليه جمهور أهل الحديث وأئمة السيرة.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
«وكان قدومه ﷺ المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول».
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
«خرج من الغار… حتى دخل المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول».
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
«كان قدومه ﷺ المدينة في شهر ربيع الأول».
متى وُضع التقويم الهجري؟
في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعد اتساع دولة الإسلام، احتاج المسلمون إلى تاريخ يرجعون إليه في المكاتبات والوثائق.
فجمع عمر رضي الله عنه كبار الصحابة واستشارهم، فتشاوروا في الحدث الذي يجعلونه بدايةً للتاريخ الإسلامي. فقيل: من مولد النبي ﷺ، وقيل: من بعثته، وقيل: من وفاته، ثم استقر رأيهم على أن تكون الهجرة النبوية هي مبدأ التاريخ الإسلامي؛ لأنها مثلت بداية قيام دولة الإسلام، وفرقت بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة التمكين.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
«وجعلوا ابتداء التاريخ من سنة الهجرة؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل».
لماذا اختير المحرم أول السنة؟
قد يتساءل البعض: إذا كانت الهجرة في ربيع الأول، فلماذا لم تبدأ السنة الهجرية به؟
والجواب: أنه لم يثبت نص عن النبي ﷺ، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم، يبين سبب اختيار المحرم، وإنما ذكر أهل العلم وجوهًا من الحكمة والاجتهاد، ومن أشهرها:
- أن المحرم أول شهور السنة عند العرب.
- أنه يأتي بعد موسم الحج، الذي تُختتم به أعظم العبادات السنوية.
- أن بيعة العقبة الثانية، والعزم على الهجرة، كانا في ذي الحجة، فكان أول شهر يلي ذلك هو المحرم، فكأن بداية مرحلة الهجرة بدأت منه، وإن كان الخروج الفعلي من مكة والوصول إلى المدينة في ربيع الأول.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
«وكان ابتداء العزم على الهجرة في المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ التاريخ منه».
وهذه حكمة اجتهد فيها أهل العلم، وليست نصًا مرويًا عن الصحابة رضي الله عنهم.
هل لأول السنة الهجرية عبادات خاصة؟
ومن الأخطاء المنتشرة أن يظن بعض الناس أن أول السنة الهجرية موسم تعبدي يُشرع فيه تخصيص أدعية، أو أذكار، أو صلوات، أو احتفالات مخصوصة.
ولم يثبت عن النبي ﷺ، ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، شيء من ذلك.
قال رسول الله ﷺ:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
متفق عليه.»
فالأصل في العبادات التوقيف، فلا يُشرع منها إلا ما ثبت بالدليل.
أما شهر الله المحرم، فقد ثبتت فضيلته في السنة الصحيحة.
قال النبي ﷺ:
«أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم».
رواه مسلم.
وثبت أيضًا فضل صيام عاشوراء، فقال ﷺ:
«أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله».
رواه مسلم.
فهذه هي السنن المشروعة المتعلقة بالمحرم، لا ما أحدثه الناس من عبادات أو احتفالات لا أصل لها.
وقفة
إن اختيار الصحابة رضي الله عنهم للهجرة بدايةً للتاريخ الإسلامي يحمل رسالة عظيمة؛ فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من بلد إلى بلد، بل كانت انتقالًا من الاستضعاف إلى التمكين، ومن ضيق الأرض إلى سعتها بطاعة الله، ومن مرحلة الدعوة المستضعفة إلى قيام دولة الإسلام.
ولهذا بقيت الهجرة حدثًا خالدًا تؤرخ به الأمة، وإن لم تقع في أول شهر من السنة.
فالتقويم الهجري لم يُبنَ على مجرد ترتيب الشهور، وإنما بُني على أعظم حدث غيّر مجرى تاريخ الإسلام، وجعل الهجرة رمزًا للتضحية والثبات، وبدايةً لعهدٍ جديدٍ قامت فيه راية التوحيد، وانتشر فيه نور الإسلام في الآفاق.
للمزيد:
الهجرة.. ملحمة التحول المهيب من الاستضعاف إلى التمكين
الهجرة النبوية في رحاب التاريخ
تقويمي الهجري 4










