ضعْ نفسَكَ مكانَ أطفالك
“تحاولُ تنويمَ طفلِها ذي الثلاثةِ أعوامٍ، ويأبى الطفلُ ويُعبِّرُ عن تضايقه وعُسرِ النوم عليه، فتباغتُه بصفعةٍ على وجهِه، وتلقيه بقوةٍ في سريرِه: نَمْ وأرِحْني”.
لقد مرَّتْ عليكِ ليالٍ كثيرةٌ تأرَّقتِ بها، وخفتِ بها وقلقتِ، مرَّتْ، وفعلًا لم تستطيعي فيها النومَ. أكان على أحدٍ ليلتَها صفعُكِ ورميُكِ بقوةٍ لأنَّه يجبُ أن تنامي؟
“تُلبِسُ طفلتَها فستانًا، وتحتَه «كالوت»، وتبكي الطفلةُ أنَّها لا تريدُ لبسَ هذه الملابسِ اليومَ، وتُبدي انزعاجَها من لباسِها؛ فتتلقَّى صراخًا وتوبيخًا، وتُجبَرُ على لبسِ ما تريدُه والدتُها”.
بالتأكيدِ قد لبستِ مرةً بنطالًا ضيِّقًا، وشعرتِ أنَّكِ غيرُ مرتاحة به، أو لبستِ فستانًا، وتضايقتِ من كُمِّه الواسعِ الذي سيُصعِّبُ عليك القيامَ بمهماتِكَ في البيتِ. ألم تنزعيهما وتُعاودي لبسَ ما يُريحُكَ ويُعينُكِ؟ أم قضيتَ باقيَ يومِكَ منزعجًا من لباسِكِ، ضائقَة الصدرِ؟

أتأمَّلُ في تصرُّفاتِنا مع الأطفالِ، وأُسقِطُ ردودَ أفعالِنا معهم على أنفسِنا. أرانا بلا رحمةٍ ولا شفقةٍ حين لا نضعُ أنفسَنا في مكانِهم، حين نُجبرُهم على ما نريدُ لأنَّنا فقط نريدُ، حين لا نحاولُ تفهُّمَهم ولا تخفيفَ العبءِ عنهم.
فلو كان الطفلُ لا ينامُ؛ فلِمَ لا نصبرُ ونتصبَّرُ، ونحاولُ ابتكارَ ما قد يُعينُه على النومِ؟ ولو كانت الطفلةُ منزعجةً من ملابسِها؛ فلِمَ لا نُعطِها خيارًا آخرَ، ونحاولُ أن نفهمَ ما تُفكِّرُ به؟ لِمَ لا نضعُ أنفسَنا في مكانِهم، ونُفكِّرُ بطريقةٍ مختلفةٍ عن كونِهم “يُعاندونَ ولا يسمعونَ كلامَنا ويعترضونَ فقط”؟
المشكلةُ ليستْ في عنادِ الأطفالِ، وليستْ في اعتراضِهم، ولا في تعبيرِهم؛ بل فينا، وفي ردودِ أفعالِنا. كلُّ المشكلةِ في قلَّةِ صبرِنا، وفي أحكامِنا على سلوكيَّاتِهم وأقوالِهم، وفي محاولتِنا للسيطرةِ عليهم تحتَ بندِ “التنظيمِ”.
لذا؛ فإنَّ الصبرَ والرحمةَ من أَولى ما ينبغي للوالدَيْنِ والمربِّينَ تعلُّمُه والتطبُّعُ به. ولا أقولُ إنَّ الصبرَ عليهم سهلٌ؛ ولكن لا أرانا بقلبٍ منزوعِ الرحمةِ والشفقةِ على طفلٍ ضعيفٍ ينتظرُ منَّا أن نملأَه بردودِ أفعالٍ صحيَّةٍ ليتشرَّبَها منَّا ويستنسخَها. وإلَّا؛ فلا ننتظرْ منه صبرًا ورحمةً وشفقةً علينا، وعلى جُلِّ شؤونِ حياتِه؛ فردودُ فعلِه العنيفةُ غيرُ الصبورةِ وغيرُ الرحيمةِ قد أخذَها منَّا!
هدانا اللهُ، وأصلحَنا، وأصلحَ بنا.










