الصلاة: طريق النجاة

|

الصلاة: طريق النجاة

فتحتُ بابَ بيتي بعد أن طرقه، فإذا بي ألمح سحابةَ حزنٍ قد غطّت تقاسيم وجهه الجميلة، فصيّرته شابًّا يمشي بخطوات الشيوخ المتهالكة، يجرّ حيرته، ويكتم دمعته، ويتطلّع إلى مأوى يفرّ إليه، يتخفف فيه مما أثقل كاهله.

كنت أعلم همومه ومشكلاته، وأتفهم حاله، فرحبت به، وأجلسته في مكان يريحه، ثم جلست إلى جانبه أحاول أن أبني جسر ثقة بيني وبينه، فإذا به يستجيب سريعًا،
بدأت الكلمات المثقلة بالألم تنساب من لسانه، تسرد تفاصيل شتاته وحيرته، ولسان حاله: «لماذا يحدث معي ذلك؟ ولماذا أفعل الخير فأقابل بالشر؟ ولماذا كل هذه الهموم تمد أذرعها حولي، فتخنقني من كل جانب؟ وأنا الذي أرجو فرج الله، ولا أرى أثره».
كنت أنصت إلى كلماته باهتمام بالغ، وأتأمل ملامح وجهه، وبريق عينيه، وحركات شفتيه، وهو يسرد عليَّ ما يخالج صدره، وبينما أنا على ذلك الحال، إذ بالدموع تنهمر من عينيه، فطأطأت رأسي حياءً، ومثلي يستحي من دموع الرجال!
تركته حتى أفرغ ما في جعبته، ولما أدركت أن روحه قد هدأت، وقلبه قد سكن، توجهت نحوه بكل هدوء، وقلت له، وأنا أعلم حاله وتفاصيل ما أهمّه وآلمه:
«إني لن أكثر كلامًا، ولن تجد مني أخذًا وردًّا، ولا تحليلًا وتفكيكًا لمشكلتك… سأطرح عليك سؤالًا واحدًا، وأرجو أن تصدقني الحديث».
نظر إليّ، وقد خالط بريق عينيه الذابلتين بصيصُ أمل، وقال بكل ثقة: «سأصدقك القول، خالتي».

فقلت:
«كيف حالك مع الصلاة يا بني؟»

أطرق الشاب وسكت، وكأنها لحظة إدراك فاجأته وسط غفلة وشتات، لحظة ردّت إليه عقله ليواجه حقيقة تيهه في صحراء الغفلة… ثم حرّك رأسه وقال: «لست جيدًا مع الصلاة، أصلّيها حينًا، وأغفل عنها أحيانًا».

نجاة صلاة

فقلت:
«عجبًا يا بني! ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، وتريد أن تقود سفينتك نحو مبتغاك على اليابسة! وهل جُعلت السفن إلا لتشق طريقها في الماء؟!
يا بني، أعطِ صلاتك حقها من الأداء والخشوع والحضور، ولا تكن غافلًا عن ربك، ثم حدّثني بعد ذلك عن الفرج بعدما استحكمت حلقات الهموم، وظُن أنها لا تُفرج».

بعد مدة ليست بالقصيرة خرج الشاب من عندي، لكن بقي سؤال يطرق قلبي: «كم من الناس يعيشون هذه المعاناة نفسها؟»
فعندما تحيط بهم الهموم والمشكلات، وتتعسر حياتهم حتى تصير عبئًا لا يطاق، يبدأ اليأس يدب إلى قلوبهم، ويهجم على عقولهم سيلٌ من التساؤلات:
«لماذا أنا لست مثل غيري؟ لماذا لا تتيسر حياتي، رغم أني أحاول وأدعو الله، فلا أجد الفرج الذي أرجوه، والسعادة التي أصبو إليها؟»

وكثير من النفوس تنحو منحى آخر، فتعلل مصابها بأن هناك قوى خفية أعظم منها قد أصابتها في مقتل؛ سهام عين حاسدة، أو سحر نُسجت طلاسمه في الخفاء!
فهم بين حيرة تهد القلب، أو شكوك تعصف بالعقل، وحال يوشك أن يقتلع جذور الإيمان، وجواب هذه النفوس سهل وبسيط، والحق واضح جلي…إلا أن الشيطان أحكم غشاوة على الأبصار، فلم تعد ترى إلا ما يزيدها ضلالًا وفسادًا.

فهَلَّا هدَّأتَ من روعكَ أيها الإنسان، وجلست جلسة صدق مع نفسك، وتأملت في حالك؟!

قال الله تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.

فانظر إلى صلاتك، هل تعاملها معاملة المأوى الذي ترتاح فيه من هموم الحياة، والمركب الذي يوصلك إلى بر الأمان، وطوق النجاة في بحر الحياة المتلاطم بالأمواج؟ أم أنها أمر هامشي تؤديه هكذا لتستريح منه، ثم توهم نفسك أنك من المصلين؟

ولعل خاطرا يرِدُك الآن:
«أريد أن أكون كذلك، لكن مشاغل الحياة وهمومها أتعبتني، فلم تترك لي فرصة لأستقيم أكثر».

أتعبتك مشاغل الحياة؟!

عجبًا لك أيها الإنسان، وربك يقول:

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.

ونبيك (ﷺ) كان إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة.

فالصلاة بلسم وعلاج، وفلاح وطوق نجاة!

ولكن الذي أثقلك عنها، أيها الإنسان، ذنوبك، وغفلتك، وعجزك عن المجاهدة، وإنك لن ترى حياة طيبة تسعدك إلّا إذا مررت على جسر المجاهدة، فأجبرت نفسك على الالتزام بما أمر الله، وغير ذلك، فأنت في تيه حتى تهلك، وحينها لن ينفعك الندم.

قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

والحياة الطيبة لا تعني أبدًا الخلو من المشكلات والابتلاءات؛ فهذه دار نكد وشقاء، وقد خُلق الإنسان في كبد، ولكن الحياة الطيبة حالة من الرضا عن الله، تجتاح القلب، وتمتزج بالروح، فيعيش العبد سعادة لا تضاهيها سعادة، ولو غُمس في بحر من المشكلات والابتلاءات العسيرة؛ فهي لا تزيده إلا رضا وسعادة بربه.

فمن وجد الله، فماذا فقد؟!

للمزيد:
أرحنا بها يا بلال!
ماذا لو حدثتني الصلاة؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة