حقيقة الشر في النفس البشرية

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ﴾
يثير دهشتي خطابٌ معاصر يختزل الشر في الرجال، ويُعلن أن شفاء العالم من الجريمة والحروب وسائر الآلام لن يتحقق إلا بمحاربتهم. ولا أدري: أهو تبسيطٌ ساذجٌ للواقع، أم خطيئةٌ معرفية تعمي الأبصار عن رؤية الحقيقة؟

فالعالم ليس روايةً للأطفال، فيها تنينٌ واحد يحتجز الأميرة، فإذا قُتل عاد السلام إلى المملكة. الحقيقة أن الشر يتسلل عبر شقوق النفس البشرية كلِّها، ويتخذ وجوهًا مختلفة بحسب الظروف والفرص والسلطة المتاحة.

وصحيحٌ أن التأريخ يخبرنا بأن الرجال كانوا أول من رفع السلاح، وأن أول جريمة قتل في تاريخ البشر ارتكبها قابيل، وأن معظم الجيوش والملوك والقادة كانوا رجالًا. لكنه لا يخبرنا أن الرجال أكثر شرًّا لأنهم رجال، بل يخبرنا أن الرجال، عبر قرون طويلة، كانوا الأكثر امتلاكًا لأدوات القوة المنظمة: الجيوش، والدول، والسجون، والمحاكم، وأجهزة القمع. ومن الطبيعي أن تكون جرائمهم أكثر ظهورًا لأن أيديهم كانت على عجلة السلطة أكثر من غيرهم.

غير أن القلة القليلة من النساء اللواتي أُتيحت لهن فرصة الولوج إلى دهاليز السلطة المظلمة أظهرن من القسوة والسادية ما يندى له الجبين، وهو ما يدل على أن الأمر لا ينبع من الكروموسومات ولا من الجنس البيولوجي، وإنما من مقدار ما يحمله الإنسان من دينٍ وأخلاقٍ ورادعٍ نفسيٍّ وخشيةٍ من الحساب.

فالإنسان قد يبدو لطيفًا وهو عاجز، ومتسامحًا؛ لأنه لا يستطيع الانتقام، وزاهدًا لأنه لا يملك ما يغريه. فإذا مُنح سلطةً على الضعفاء، أو أُعطي حصانةً من العقاب، ظهر معدنه الحقيقي.

وفي السجون، والحروب، وأجهزة المخابرات، وشبكات الاستغلال، وعصابات الاتجار بالبشر، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح. فالنساء لا يختفين من المشهد كما يتخيل البعض، بل يظهرن حيث توجد لهن مساحة فعل حقيقية؛ أحيانًا كمتسترات، وأحيانًا كمنظمات، وأحيانًا كمشاركات مباشرات.

ولا يعني هذا أن النساء أشد شرًّا من الرجال، كما لا يعني أن الرجال أبرياء من الشر. إنه يعني فقط أن النفس البشرية لا تُولد وفيها جينٌ خاص بالفضيلة عند جنس، وجينٌ خاص بالإجرام عند جنس آخر.

ومما يثير العجب أن بعض الناس يتحدثون عن النساء كأنهن ملائكة هبطن من السماء، فإذا ظهرت امرأة قاسية، أو مجرمة، أو متواطئة، قيل: “هذه حالة شاذة”. أما إذا أجرم رجل، أصبحت الجريمة دليلًا على طبيعة الرجال جميعًا.

وهذا ليس تحليلًا، بل انتقاء. ليس بحثًا عن الحقيقة، بل بحثٌ عمّا يؤكد القناعة المسبقة.

شر

المشكلة الكبرى ليست في الذكورة ولا في الأنوثة، بل في تلك اللحظة التي يتضخم فيها هوى النفس حتى يصبح أكبر من الضمير، وفي تلك اللحظة التي يغيب فيها الإيمان، أو الأخلاق، أو الخوف من الحساب، أو حتى الرحمة الفطرية. عندها يصبح الإنسان قادرًا على أشياء مرعبة، سواء كان يرتدي بدلة قائد جيش، أو معطف طبيب، أو عباءة داعية، أو فستان امرأة لطيفة الملامح.

ليس الخوف من الرجال لأنهم رجال، ولا من النساء لأنهن نساء، بل من الإنسان حين يجتمع له أمران:

سلطةٌ بلا رادع، وقوةٌ بلا محاسبة.

هناك يبدأ الخراب. وهناك يذوب الفرق بين الذكر والأنثى، ويظهر شيءٌ أقدم منهما وأخطر:
”النفس البشرية حين يُطلق لها العنان“.

والرجال، مثل النساء تمامًا، أكبر من أن تحتويهم جملةٌ واحدة، أو حكمٌ واحد، أو صورةٌ نمطيةٌ واحدة.

فكيف نختزل نصف البشرية في الشر المطلق، وسجلات التاريخ تفيض بالنور الذي سكبه رجالٌ صالحون غيّروا وجه العالم برحمتهم وعدلهم؟

كيف يُختزل الرجال في صورة المجرم والجلاد، ومنهم الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله هداةً ورحمةً للعالمين، وتجسدت فيهم أسمى معاني الرحمة والحنان والعدل والوقوف في وجه الظلم؟

وكيف نعمم القبح على جنسٍ كامل، ومنهم الآباء الصالحون، والأجداد الحنونون، والإخوة الذين يسندون، والأزواج الذين يرحمون، والعلماء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البشرية؟

إن الإنسان أعقد من أن يُختصر في جنسه، وأعمق من أن يُحاكم بصفةٍ وُلد بها، وأعدل من أن يُدان بجريمة غيره.

للمزيد:
سلسلة الرد على الشبهات
تُظلم القلوب بالظلم وتُحرم التوفيق!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة