الطاقة الملائكية النورانية.. حين يُستبدل الوحي بخرافة!

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 12: الطاقة الملائكية النورانية.. حين يُستبدل الوحي بخرافة!

ما أكثر الألفاظ التي تُزيَّن بزخارف براقة حتى تُقبل في القلوب دون برهان. ومن أخطرها في هذا العصر كلمة “الطاقة”؛ إذ صارت تُلصق بالملائكة والقرآن والذكر والدعاء، حتى نشأت عقيدة جديدة لا أصل لها في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، وإنما هي خليط من الفلسفات الشرقية، والروحانيات الباطنية، ومصطلحات التنمية البشرية، أُلبست لباس الإسلام لتروج بين المسلمين.

والمنشور المتداول مثال واضح على ذلك؛ فهو يبني تصورًا كاملًا عن “الطاقة الملائكية النورانية”، ويقسم الطاقات إلى إيجابية وسلبية، ويجعل للملائكة طاقة تُستجلب بوسائل مخصوصة، وكل ذلك بلا آية واحدة، ولا حديث صحيح يدل على هذه الدعوى.

من أين جاءت عقيدة “الطاقة الملائكية”؟

هذا المصطلح لا وجود له في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام الصحابة رضي الله عنهم، ولا عند أئمة الإسلام.

فالله سبحانه أخبرنا عن الملائكة فقال:
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ۝ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
[الأنبياء: 26-27].

ووصفهم بقوله:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
[التحريم: 6].

فالملائكة خلق من خلق الله، لهم وظائف كلفهم الله بها، وليسوا موجات كونية، ولا ذبذبات نورانية، ولا حقولًا طاقية تنتقل بين البشر.

ولو كان للملائكة “طاقة” يتعبد الله بها الناس أو يتقربون إليه باستجلابها، لسبقنا إليها رسول الله ﷺ، وأصحابه الكرام.

أخطر ما في المنشور

المشكلة ليست في ذكر الملائكة، وإنما في تحويل الغيب إلى فلسفة طاقة.

فالمنشور يجعل:

  • الإيمان = طاقة.
  • الذكر = جذب للطاقة.
  • الصلاة = استقبال للطاقة.
  • الأعمال الصالحة = رفع للطاقة.
  • الملائكة = مصدر طاقة إيجابية.

وهذا تبديل للمفاهيم الشرعية.

فالشرع يقول:

  • هداية.
  • بركة.
  • رحمة.
  • سكينة.
  • معية خاصة.
  • توفيق.

أما لفظ الطاقة بهذا المعنى الغيبي فلم يجعله الله وصفًا للملائكة ولا للعبادات.

استشهاد صحيح… واستنتاج باطل

يورد أصحاب هذه المنشورات أحاديث صحيحة، مثل:

  • حضور الملائكة مجالس الذكر.
  • صلاة الملائكة على المؤمن.
  • استغفارهم لطالب العلم.
  • تأمينهم على الدعاء.

وهذه كلها ثابتة.

لكنهم يقفزون بعدها إلى نتيجة لا وجود لها في النصوص:

“إذن هذه طاقة ملائكية.”
وهذا تلبيس.

فالحديث أثبت فعل الملائكة، ولم يثبت طاقة الملائكة.

والقاعدة عند أهل السنة:
لا يجوز تفسير النصوص بما لم يدل عليه لفظها، ولا تحميلها مصطلحات حادثة.

لماذا انتشرت كلمة “الطاقة”؟

لأنها كلمة مطاطة.

فكل معنى شرعي يُستبدل بها.

  • بدل أن يقولوا: رحمة الله…
  • قالوا: طاقة إيجابية.
  • بدل: توفيق الله…
  • قالوا: ذبذبات مرتفعة.
  • بدل: وسوسة الشيطان…
  • قالوا: طاقة سلبية.

حتى أصبح الناس يفسرون الغيب كله بلغة لا يعرفها القرآن.

وهذه طريقة خطيرة؛ لأنها تستبدل لغة الوحي بلغة الفلسفات.

قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122].

الملائكة لا تُستجلب بطقوس الطاقة

الملائكة تنزل بأمر الله، لا بقوانين بشرية مزعومة.

قال تعالى:
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64].

فلا يملك أحد أن يضع “قانونًا” لجذب الملائكة، أو أن يتحدث عن بيئة طاقية تستدعي حضورهم.

بل المؤمن يفعل الأسباب الشرعية التي جاءت بها النصوص، ثم يوقن أن كل ذلك بمشيئة الله وحده.

هل في الإسلام شيء اسمه الطاقة الإيجابية؟

إن كان المقصود النشاط، والتفاؤل، وحسن الظن بالله، والسكينة، فهذا جاءت به النصوص بأسمائه الشرعية.

أما تحويل ذلك إلى نظرية طاقة كونية لها قوانين خاصة، فهذا لا أصل له.

قال الإمام مالك رحمه الله:
“من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة.”

لأن الله عزوجل قال:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[المائدة: 3].

ميزان المسلم

المؤمن لا يُفتن بجمال التصميم، ولا بكثرة الأحاديث المبعثرة، ولا بالألفاظ المؤثرة.

بل يسأل سؤالًا واحدًا:

  • أين قال الله هذا؟
  • وأين قاله رسول الله ﷺ؟

فإن لم يجد، علم أن الخير كل الخير في الوقوف عند حدود الوحي.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
“اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.”

كلمة أخيرة

إن أعظم أبواب الضلال أن يُلبَّس الباطل ثوب الحق، وأن تُستعار النصوص الصحيحة لترويج مفاهيم لم ينزل الله بها سلطانًا.

فالملائكة نؤمن بهم كما أخبر الله ورسوله، لا كما تصفهم مدارس الطاقة والروحانيات.

وليس من تعظيم الملائكة أن نجعلهم مصدر “ذبذبات” أو “طاقات”، بل تعظيمهم يكون بالإيمان بما أخبر الله عنهم، والإمساك عما سكت عنه الوحي.

فالسلامة كل السلامة في لزوم الكتاب والسنة، فإن كل طريقٍ يُترك فيه نور الوحي، فلا بد أن يقود إلى ظلمات الأوهام، مهما تلألأت أسماؤه، وتزينت عباراته.

للمزيد:
هراء العلاج بالطاقة (العلاج الوثني)

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة