تحقيق علمي وعقدي في دعاوى ربط الحروف المقطعة بالهيروغليفية

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 13: حقيق علمي وعقدي في دعاوى ربط الحروف المقطعة بالهيروغليفية

بعد أن تبين أن الحروف المقطعة من المتشابه الذي لم يثبت عن النبي ﷺ تفسيره، وأن من أبرز الحكم الظاهرة فيها تحدي العرب وإظهار إعجاز القرآن، ننتقل الآن إلى تفنيد ما ورد في هذه الصورة من دعاوى، واحدةً تلو الأخرى، حتى يتبين للقارئ مقدار الجرأة على كتاب الله، وكيف تُبنى هذه المزاعم على الظنون والأوهام لا على العلم والبرهان.


أولًا: دعوى أن حرف (ن) يرمز إلى “نون” إله المياه الأزلية عند المصريين

زعمت الصورة أن حرف (ن) في قوله تعالى:
﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾

يرمز إلى “نون” في العقيدة المصرية القديمة، وهو المحيط الأزلي الذي خرج منه الكون.

والجواب من وجوه:

  • أولًا:

هذا التفسير لم يرد عن رسول الله ﷺ، ولا عن صحابي واحد، ولا عن أحد من أئمة التفسير.
فلو كان مراد الله تعالى ذلك لكان النبي ﷺ أول من بيَّنه؛ لأنه المبلغ عن ربه.

  • ثانيًا:

هذه الدعوى مأخوذة من عقيدة وثنية، ثم أُلبست لباس تفسير القرآن، وهذا من أبطل الباطل.
فالمفسر يجب أن يستمد تفسيره من القرآن، والسنة، وأقوال السلف، ولسان العرب، لا من أساطير الحضارات الوثنية.

  • ثالثًا:

لو جاز تفسير القرآن بأساطير الأمم السابقة، لأصبح كل صاحب فلسفة يحمل كتاب الله على معتقده، ولضاع معنى الوحي، وفسد باب التفسير كله.


ثانيًا: دعوى أن حرف (ق) يرمز إلى بداية ظهور اليابسة وخروج الأرض من الماء

استدل أصحاب الصورة بصورة جبل يخرج من البحر، وزعموا أن حرف (ق) يشير إلى أول اليابسة.

ولا يوجد على هذه الدعوى دليل واحد.

  • لا آية.
  • ولا حديث.
  • ولا أثر.
  • ولا قول لإمام معتبر.

بل هو مجرد خيال رُكبت عليه صورة جذابة ليظن القارئ أنه تفسير.

قال تعالى:
﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾

ولم يزد الله على ذلك شيئًا، ولم يأت عن رسوله ﷺ تفسير لهذا الحرف بهذا المعنى.

فمن أين جاء هؤلاء بهذا العلم؟
إنه سؤال لا يملكون له جوابًا.


ثالثًا: دعوى أن (كهيعص) تعني “الكلمة الخالقة”

وهذه من أخطر الدعاوى.

فقد زعموا أن هذه الحروف ترمز إلى “الكلمة التي خلقت الكون”.

وهذا مأخوذ من الفلسفات الغنوصية والهرمسية التي تجعل للكلمات والأصوات قوى خفية تؤثر في الوجود.

أما الإسلام فيقرر أن الخالق واحد، وهو الله سبحانه، وأن الخلق إنما يكون بمشيئته وقدرته، لا لأن الحروف تمتلك قوى ذاتية.

قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.

وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

فالذي يخلق هو الله، لا الحروف، ولا الأصوات، ولا الطاقات.


رابعًا: دعوى أن (الم) ترمز إلى الفكر والكلمة والتجلي

لم يرد عن أحد من السلف أن (الم) تعني الفكر، أو التجلي، أو انتقال الفكرة من العالم الخفي إلى العالم المادي.

وهذه كلها ألفاظ فلسفية دخيلة لا وجود لها في كتب التفسير.

بل إن أصحاب هذه الدعوى يتكلمون بلغة الفلاسفة والباطنية، لا بلغة القرآن والسنة.

ولو كان هذا هو المقصود من (الم)، لبينه رسول الله ﷺ لأصحابه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.


خامسًا: دعوى أن (طه) تعني عين حورس

وهذه الدعوى تكشف حقيقة المنهج الذي تسير عليه هذه التأويلات.
فعين حورس رمز ديني وثني عند المصريين القدماء.

فكيف يُجعل رمز وثني مفتاحًا لفهم كلام الله؟
إن هذا قلب للحقائق.

ولو كان القرآن يريد رموز الوثنيات، لما وصفه الله بقوله:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.

بل إن الله أرسل القرآن لهدم الوثنيات، لا لربط معانيه بها.


سادسًا: دعوى أن (يس) ترمز إلى الشمس والنور الكوني

يزعم أصحاب الصورة أن (يس) تعني الشمس أو الوعي الكوني.
وهذا مجرد ادعاء لا يسنده نقل ولا عقل.

قال تعالى:
﴿يس ۚ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.

ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أن (يس) اسم للشمس، ولا رمز للطاقة، ولا للوعي.

ومن زعم ذلك فقد تكلم في كتاب الله بغير سلطان.


سابعًا: دعوى أن تشابه الرموز دليل على اتحاد المعاني

وهذا من أفسد مناهج الاستدلال.

فمجرد تشابه شكلين لا يقتضي اتحاد معناهما.
ولو صح هذا، لأمكن لكل أحد أن يفسر القرآن بأي لغة قديمة أو حديثة، بمجرد العثور على رمز يشبه حرفًا عربيًا.

وهذا ليس علمًا، وإنما هو عبث بالتفسير.

واللغات لا تثبت بالأشكال، وإنما بالنقل المتواتر والاستعمال التاريخي.


ثامنًا: قولهم “الحروف ليست أصواتًا بل قوى تصنع الواقع”

وهذه العبارة من أخطر ما في الصورة.
فهي ليست تفسيرًا، بل عقيدة.

إذ تجعل للحروف تأثيرًا ذاتيًا في الكون، وهي عقيدة تشبه ما تقوله مدارس الطاقة والباطنية والسحر، من أن الأصوات والذبذبات تخلق الواقع.
وهذا يناقض أصل التوحيد.

فالخلق والتدبير بيد الله وحده.

قال تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.

وقال سبحانه:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

فالذي يخلق ويصرف ويحيي ويميت هو الله وحده، لا الحروف، ولا الأصوات، ولا الرموز.

إن أخطر ما في هذه الصور أنها لا تأتي صريحة في الطعن بالقرآن، بل تأتي في ثوب الإعجاب به، فتخلط الحق بالباطل، وتستدرج القارئ من تعظيم القرآن إلى تعظيم الفلسفات الوثنية، حتى يصبح تفسير كتاب الله تابعًا لرموز الفراعنة، أو عقائد الهرامسة، أو خيالات الباطنية.

وهذا هو منهج أهل الأهواء قديمًا وحديثًا؛ يلبسون الباطل ثوب الحق ليكون أقبل في النفوس.

فالواجب على المسلم أن يقف حيث وقف السلف، وأن يقول فيما لم يعلم: الله أعلم، ولا يتكلف ما لم يتكلفه خير هذه الأمة.

قال الإمام مالك رحمه الله:
“من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا.”

فالحذر الحذر من كل تفسير للقرآن لا يقوم على كتاب، ولا سنة، ولا فهم السلف، فإن سلامة الدين في الاتباع، والهلاك كل الهلاك في الابتداع والقول على الله بغير علم.

للمزيد:
مجالس تدارس القرآن: الربع الأول من سورة البقرة

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة