سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 15: ليس كل ما جهلناه يحق لنا تفسيره
قاعدة عظيمة في التعامل مع الوحي وكشف أصل الانحراف في تفسير الحروف المقطعة
إن من أعظم أسباب الضلال في باب التفسير أن يظن الإنسان أن كل ما خفي عليه لا بد أن يجد له جوابًا، فإن لم يجد في الوحي جوابًا، بحث عنه في الفلسفات، أو الأساطير، أو الحضارات القديمة، ثم عاد فألبسه ثوب الإسلام.
وهذه ليست طريقة أهل الإيمان، وإنما هي طريقة أهل الأهواء.
فالمؤمن يعلم أن الله تعالى لم يكلفه بعلم كل شيء، وإنما كلفه أن يقول الحق، وأن يقف عند حدود ما علم، وأن لا يتجاوز النصوص بظنه وتخمينه.
ولهذا كان السلف الصالح يعدون التوقف عند عدم الدليل من كمال العلم، لا من نقصه.
أما أهل البدع، فكانوا يرون أن السكوت عجز، فيتكلفون لكل نص تفسيرًا، ولكل متشابه تأويلًا، حتى امتلأت كتبهم بالغرائب والأباطيل.
إن قول: “الله أعلم” عبادة
لقد ربى القرآن المؤمنين على التسليم لله ورسوله، فقال سبحانه:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقال جل وعلا:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
فليس من العلم أن يتكلف الإنسان الجواب عن كل مسألة، بل من العلم أن يعرف قدر نفسه، وأن يقف عند الحد الذي أذن الله له فيه.
ولهذا كان العلماء الكبار لا يستحيون من قول: “لا أعلم”، بل يعدونها نصف العلم، لأن الجهل إذا كان مبنيًا على الوقوف عند الدليل، فهو علم وعدل، أما الجرأة على القول بغير علم فهي عين الجهل والضلال.
منهجان لا ثالث لهما
- منهج أهل السنة يقول:
إذا ثبت النص آمنا به، وإذا خفي علينا بعض معناه رددنا علمه إلى الله، ولم نتكلف ما لم يأت به دليل.
- أما منهج أهل الأهواء فيقول:
إذا خفي علينا شيء، بحثنا له عن معنى في الفلسفات، أو الرموز، أو الحضارات، ثم نسبناه إلى القرآن.
وهنا يظهر الفرق بين من يعظم الوحي، ومن يعظم عقله.
- فالأول يجعل الوحي حاكمًا على أفكاره.
- والثاني يجعل أفكاره حاكمة على الوحي.
الحروف المقطعة مثال واضح لهذا الفرق.
وقف الصحابة رضي الله عنهم أمام هذه الحروف كما أنزلها الله.
- تلوها.
- وحفظوها.
- وآمنوا بها.
ولم يخترعوا لها معاني من عند أنفسهم.
فكان ذلك من كمال إيمانهم، ومن عظيم أدبهم مع كلام الله.
ثم جاء أقوام بعد القرون المفضلة، فزعموا أنهم اكتشفوا أسرارًا لم يعرفها أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا ابن مسعود، ولا ابن عباس، ولا سائر الصحابة.
وهنا ينبغي أن يقف القارئ متأملًا:
كيف يخفى هذا “السر العظيم” على خير القرون، ثم يظهر بعد أربعة عشر قرنًا على أيدي أصحاب الفلسفات، ومنظري الطاقة، ودعاة الباطنية؟!
إن هذا الادعاء في حقيقته ليس طعنًا في الصحابة وحدهم، بل طعن في بلاغ النبي ﷺ؛ لأنه يقتضي أن أعظم أسرار القرآن بقيت مجهولة، ولم يبلغها للأمة، وهذا باطل بإجماع المسلمين.
قال الله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
فإذا كان الدين قد كمل، فمن أين جاءت هذه “الاكتشافات” التي لم يعرفها أحد من السلف؟
وهذه سنة أهل البدع في كل زمان
إن الباطنية لم يبدؤوا بالحروف المقطعة.
بل بدأوا قبل ذلك بتفسير الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، بمعانٍ رمزية، حتى أخرجوا النصوص عن حقيقتها.
ثم جاء الغلاة، فجعلوا لكل آية باطنًا لا يعلمه إلا خواصهم.
ثم جاءت الفلسفات الهرمسية والغنوصية، فخلطت بين الوحي، والسحر، والرموز، والأعداد، والأشكال.
واليوم يُعاد إنتاج المنهج نفسه، ولكن بألفاظ جديدة مثل:
- الطاقة الكونية.
- الذبذبات.
- الوعي.
- الشيفرات.
- الترددات.
- الأسرار الخفية.
تبدلت الأسماء، وبقي الانحراف واحدًا.
ليست المشكلة في النتيجة، بل في المنهج
ولو سكتنا عن هذه التأويلات، لفتحنا بابًا لا يمكن إغلاقه.
فإذا جاز لهذا أن يفسر (ن) بعقيدة المصريين القدماء، جاز لغيره أن يفسرها بعقائد الهندوس، أو الكابالا اليهودية، أو الفلسفة اليونانية، أو الأبراج، أو علوم السحر.
وعندها لن يبقى للقرآن معنى ثابت، بل يصبح تابعًا لأهواء كل جيل.
ولهذا شدد العلماء في باب التفسير، لأن فساد المنهج أخطر من فساد المسألة الواحدة.
كلمة الفصل
إن القرآن الكريم ليس كتاب ألغاز، ولا مخطوطة فرعونية، ولا صحيفة هرمسية، ولا شيفرة غامضة تنتظر من يفك رموزها.
بل هو كتاب هداية، أنزله الله بلسان عربي مبين، وبلغه رسوله ﷺ البلاغ المبين، وفهمه أصحابه، ونقلوه للأمة كما تلقوه، دون زيادة ولا نقصان.
فمن زعم أن حقائق القرآن بقيت مخفية طوال هذه القرون، حتى اكتشفها أصحاب نظريات الطاقة، أو مروجو الرموز، أو دعاة الباطنية، فقد اتهم الأمة كلها بالجهل، وجعل الهداية عند المتفلسفة، لا عند أصحاب محمد ﷺ.
وهذا من أعظم الباطل، وأشد الجرأة على كتاب الله.
فالواجب على كل مسلم أن يعظم الوحي، وأن يزن كل قول بميزان الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، فما وافقها قُبل، وما خالفها رُدَّ على قائله، كائنًا من كان.










