سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 17: العين!

بعد التحقيق في محتوى هذه الصورة، فالنتيجة أنها تجمع بين حق وباطل؛ ففيها آيات وأحاديث صحيحة، لكنها تخلطها بدعاوى لا دليل عليها، وتقرر أمورًا غيبية لم يثبت بها كتاب ولا سنة، وتبني عليها أحكامًا شرعية، وهذا منهج غير صحيح.
ثبت في السنة أن العين حق؛ قال النبي ﷺ: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين»، وقال ﷺ: «استعيذوا بالله من العين فإن العين حق». كما ثبت أن الحسد حق، وأن السحر حق، وأن الشيطان قد يمس الإنسان بإذن الله، وكل ذلك داخل تحت قضاء الله وقدره.
لكن الخطأ في الصورة يبدأ عندما تجعل هذه الأمور كأنها متداخلة دائمًا، أو تجعل أكثر الأمراض والمصائب والاضطرابات النفسية والجسدية بسبب العين أو الحسد أو المس، فهذا ادعاء بلا دليل. فالشرع لم يجعل كل بلاء سببه العين، بل الابتلاء قد يكون لرفع الدرجات، أو تكفير السيئات، أو امتحانًا من الله، أو بسبب أمراض وأسباب كونية.
وكذلك تقسيم العين إلى عين معجبة، وعين حاسدة، وعين قاتلة ليس تقسيمًا شرعيًا ثابتًا بهذا الاصطلاح، وإنما الثابت أن العين قد تكون من الحاسد، وقد تكون من غير الحاسد إذا أعجب الإنسان بشيء ولم يبرك، أما جعلها أنواعًا محددة على هذا النحو فلا دليل عليه.
وأما ما ذكرته الصورة من علامات الإصابة بالعين؛ مثل: كثرة التثاؤب، الصداع، النسيان، الكوابيس، برودة الأطراف، الانطواء، الوساوس، كثرة الشك، ضيق الصدر، سقوط الشعر… ونحو ذلك، فكل هذا لا أصل له في الكتاب ولا في السنة على أنه علامات تشخيص للعين، بل أكثرها أعراض مشتركة بين أمراض نفسية وعضوية كثيرة، ونسبتها إلى العين من غير برهان من القول على الله بغير علم.
وكذلك قولهم إن العين تؤدي إلى تسلط الشياطين، أو أن شياطين العين والحسد تدير حياة الإنسان، أو أن العين إذا اشتدت صارت معها مسًّا شيطانيًا؛ فهذا لا دليل عليه، وإنما هو من كلام بعض الرقاة وتجاربهم، والتجارب لا تثبت بها عقائد ولا أحكام غيبية.
وأما الرقية الشرعية التي ذكرتها الصورة، فهي حق إذا كانت بالقرآن والأذكار والأدعية الثابتة، مع اعتقاد أن الشفاء من الله وحده، لكن لا يجوز تعليق الناس بتشخيصات ظنية أو إيهامهم بأن كل ما يصيبهم سببه العين.
الإيمان بالعين والحسد والسحر والرقية الشرعية من عقيدة أهل السنة، لكن الواجب الوقوف عند النصوص، وعدم إثبات أنواع أو أعراض أو آثار أو طرق تشخيص لم يثبت بها دليل. فالغيبيات توقيفية، ولا يجوز أن تُبنى على القصص والتجارب وأقوال الرقاة، بل المرجع فيها إلى القرآن والسنة الصحيحة بفهم السلف الصالح.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. فمنهج المسلم أن يثبت ما أثبته الوحي، وينفي ما نفاه، ويسكت عما سكت عنه الشرع، ففي ذلك السلامة من الخرافة والغلو.
للمزيد:
سلسلة وقفات مع أمراض القلوب (7): الحسد – سجن بلا قيود!
لكل مبتلى بالحسد والأذى










