سلسلة وقفات مع أمراض القلوب (٧): الحسد – سجن بلا قيود!

|

من أخطرِ أمراضِ القلوبِ وأشدِّها فتكًا: الحسدُ، وهو شقيقُ الحقدِ وملازِمُه؛ فإذا أهمل علاجه تسلل إلى القلوب تسللاً خفيًا، فعكِّر صفاءَها، وأفسد عيشَها، وبث فيها ضيقًا واعتراضًا على قَدَرِ الله، حتى يُورِث صاحبَه سخطًا واضطرابًا، ويحرِمَه سكينةَ الرضا.

يعرف الحسد لغةً بأنه:

  • تمنّي زوال النعمة أو الفضيلة عن صاحبها وانتقالها إلى الحاسد، أو مجرد الرغبة في أن يفقدها المحسود.

وأما اصطلاحًا:

  • عرفه ابنُ القَيِّمِ- رحمه الله- بأنه: بُغضُ نعمةِ اللَّهِ على المحسودِ وتمنِّي زوالِها. وقال: العائِنُ حاسِدٌ خاصٌّ، وهو أضَرُّ من الحاسِدِ… وأنَّه أعَمُّ؛ فكُلُّ عائنٍ حاسِدٌ ولا بُدَّ، وليس كُلُّ حاسِدٍ عائنًا.

وقد جاء النهي عن الحسد في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ -قال تعالى-: ﴿ومن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾

وقال النبي ﷺ: «ولا تحاسدوا». وقال عليه الصلاة والسلام: «الحسدُ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النَّارُ الحطبَ».

فلو كان في الحسد خيرٌ ما نهى عنه النبي ﷺ، ولا حذرنا منه.

وقال مُعاويةُ -رضي الله عنه-: “ليس في خِلالِ الشَّرِّ خَلَّةٌ أعدَلُ من الحَسَدِ؛ فإنَّه يقتُلُ الحاسِدَ قبلَ أن يَصِلَ إلى المحسودِ.”

وكما قال القائل:

للهِ دَرُّ الحَسَدِ ما أعدَلَه
بدأ بصاحِبِه فقَتَله

أقسام الحسد:

قسَّم العُلَماءُ الحَسَدَ إلى أنواع، ومنهم -ابنُ القَيِّمِ- حيث جعلها ثلاثة:

1- حَسَدٌ يُخفيه ولا يرتِّبُ عليه أذًى بوَجهٍ ما، لا بقَلبِه ولا بلِسانِه ولا بيَدِه، بل يجِدُ في قلبِه شيئًا من ذلك، ولا يعامِلُ أخاه إلَّا بما يحِبُّ اللَّهُ.

2- تمنِّي استصحابِ عَدَمِ النِّعمةِ، فهو يَكرَهُ أن يُحدِثَ اللَّهُ لعبدِه نِعمةً، بل يحِبُّ أن يبقى على حالِه؛ من جَهلِه، أو فَقرِه، أو ضَعفِه، أو شَتاتِ قَلبِه عن اللَّهِ، أو قِلَّةِ دِينِه.

3- حَسَدُ الغِبطةِ، وهو تمنِّي أن يكونَ له مثلُ حالِ المحسودِ، من غيرِ أن تزولَ النِّعمةُ عنه، فهذا لا بأسَ به ولا يعابُ صاحبُه، بل هذا قريبٌ من المنافسةِ.

وتتجلى مظاهر الحسد في الأقوال والأفعال، وفي خفايا الصدور؛ فمهما خفيت بواعثه، ظهرت آثاره في فساد الروابط، واضطراب النفوس.

فالحسدُ سجنٌ اختياريٌّ، وأنتَ قاضي نفسِك؛ فمتى تعفو عنها وتحرِّرها من هذا القيد؟ فيا من ترجُو الخلاص من هذا المرض -الحسد- فإنَّ طريقَ النجاة منه يبدأ بتعليق القلب بالله، والرضا بقسمته، واليقين بأنَّ الأرزاق بيده وحده، ومجاهدة النفس بصرفها عن منافسة الدنيا إلى المسابقة في الخيرات. ويتحقَّق ذلك بالدعاء بالبركة للآخرين، ومقابلة مشاعر الحسد بنقيضها؛ كالثناء على المحسود، والإحسان إليه، مع استحضار أضراره على النفس والمجتمع، حتى تصلَ إلى قلبٍ سليمٍ يحبُّ للناس ما يحبُّ لنفسه.

أخيراً؛ الحسدُ هو المعصية التي بدأت في السماء بجحود إبليس، وفي الأرض بظلم ابن آدم لأخيه؛ فلا تكن وارثاً لهذه التركة البائسة.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة