بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فأنقذ به القلوب من ظلمات الشرك والجهل، وأحيا به الأرواح بعد موتها، وأقام به الحجة على العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي ما ترك خيرًا إلا دل أمته عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أعظم ما يبتلى به العبد أن يختلط عليه صدق المحبة بصحة الاتباع؛ فيظن أن حرارة العاطفة تكفي، وأن دموع الشوق تغني عن لزوم السنة، وأن حسن القصد يمحو مخالفة الشرع.
ولو كان الأمر كذلك؛ ما بعث الله الرسل، ولا أنزل الكتب، ولا أمر الناس بطاعة نبيهم ﷺ.
إن الله لم يجعل طريق الوصول إليه مفتوحًا لكل من أحب، وإنما جعله طريقًا واحدًا، معالمه الوحي، ودليله رسول الله ﷺ.
فليس الشأن أن تقول: أحب رسول الله ﷺ، وإنما الشأن: هل تعبد الله كما كان رسول الله ﷺ يعبده؟
وهنا يفترق الصادق من المدّعي.
فكم من إنسان امتلأ قلبه عاطفة، ثم قاده الهوى إلى عبادةٍ لم يأذن بها الله؛ فصار يتقرب إلى الله بما يبعده عنه، وهو يظن أنه يحسن صنعًا!
وهذا من أخطر أبواب الشيطان؛ فإنه إذا عجز أن يحمل العبد على ترك الدين، حمَلَهُ على الزيادة فيه؛ لأن الزيادة في دين الله كالنقص منه سواء، كلاهما اعتراض على كمال الشريعة.
إن المتأمل في القرآن يجد أن الله سبحانه لم يأمرنا بمجرد محبة رسوله، بل أمرنا بما هو أعظم من ذلك: اتباعه.
فالمحبة دعوى، والاتباع برهان.
ولهذا كان السلف يخافون من كل عمل لم يسبقهم إليه أصحاب محمد ﷺ؛ لأنهم علموا أن الخير لا يخفى على قوم عاشوا التنزيل، وشهدوا الوحي، وربّاهم رسول الله ﷺ بنفسه.
فأي عبادة لم يعرفها أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا أمهات المؤمنين، -رضي الله عنهم أجمعين- ثم عرفها من جاء بعدهم؛ فليعلم العاقل أن الخلل في الفهم، لا في الدين.

إن الدين ليس ميدانًا للعواطف المجردة، ولا ساحة للتجارب الدينية، ولا مجالًا ليضيف كل جيل إليه ما يستحسنه.
بل هو وحي محفوظ، وحدود مرسومة، وشريعة كاملة، لا يدخلها التحسين العقلي، ولا الذوق الشخصي، ولا العادات الموروثة.
ومن أجل ذلك كانت البدعة ليست مجرد عمل زائد، بل هي قضية أعظم من ذلك.
إنها تحمل في طياتها معنى خطيرًا، وهو أن السنة لم تكفِ، وأن الهدي النبوي لم يستوعب كل ما يقرب إلى الله!
ولهذا كان السلف يعظّمون شأنها، ويحذرون منها أشد التحذير؛ لأنها تمسّ أصل التسليم لله ورسوله ﷺ.
وليس أخوف ما في البدعة أنها تخالف السنة فحسب، بل لأنها تزاحمها.
فكلما انتشرت بدعة؛ خبت سنة.
وكلما عَظّم الناس أمرًا لم يشرعه الله؛ ضعف في قلوبهم تعظيم ما شرعه.
وهكذا يعمل الشيطان؛ لا يطفئ نور السنة دفعة واحدة، وإنما يضع إلى جوارها نورًا موهومًا، حتى ينصرف الناس عن النور الحق إلى السراب.
ولهذا لم يكن السلف يسألون عن كثرة الفاعلين، وإنما كانوا يسألون: هل فعله رسول الله ﷺ؟
فإن كان قد فعله؛ عضوا عليه بالنواجذ.
وإن لم يفعله؛ أعرضوا عنه، ولو حسّنه الناس جميعًا.
وهنا ينبغي لكل مسلم أن يقف مع نفسه وقفة صدق.
ما معنى أن أزعم محبة النبي ﷺ، ثم أبحث عن طريق إلى الله غير الطريق الذي دلني عليه؟
وما معنى أن أقول: هذا يقربني إلى الله، ورسول الله ﷺ لم يبيّنه لأمته؟
أكان يجهله؟! وحاشاه.
أم علمه وكتمه؟! وحاشاه.
أم علمه ولم يفعله، ولم يفعله أصحابه، ثم ادخره الله لمن جاء بعد القرون المفضلة؟!
وهذا أبطل الباطل.
إن رسول الله ﷺ ما مات حتى أدّى البلاغ كاملًا، وما ترك بابًا من أبواب الخير إلا فتحه لأمته، ولا سبيلًا إلى رضوان الله إلا دلهم عليه.
فما لم يكن يومئذ دينًا، فلن يكون اليوم دينًا.
وما لم يكن يومئذ قربة، فلن يكون اليوم قربة.
وهذه الكلمة ليست قاعدة علمية فحسب، بل هي راحة للقلب.
فالمؤمن لا يتعب نفسه في تتبع المحدثات، ولا يرهقها بكثرة الشعارات؛ لأنه يعلم أن طريق النجاة قد رُسم منذ أربعة عشر قرنًا، ولم يتغير.
فيا أختي المسلمة…
إذا أحببتِ رسول الله ﷺ، فلا تبحثي عن يوم تُظهرين فيه محبتك، بل اجعلي عمرك كله شاهدًا عليها.
أحيي سنته في بيتك، وفي عبادتك، وفي حيائك، وفي لباسك، وفي أخلاقك، وفي تربيتك لأولادك، وفي دعوتك إلى الله.
اجعلي السنة رفيقة أيامك، لا ضيفة موسم من المواسم.
فإن رسول الله ﷺ لا يحتاج إلى احتفال يذكّر الناس به، وإنما تحتاج القلوب إلى أن تعود إلى هديه.
ولو أن الأمة أحيت سننه التي هجرتها؛ لكان ذلك أعظم تعظيم له من آلاف الاحتفالات والخطب والقصائد.
فاللهم ارزقنا حب نبيك ﷺ حبًا يحملنا على طاعته، ولا يجعلنا ممن استبدلوا هديه بالعادات، وسنته بالمحدثات، واتباعه بالأهواء.
واجعل آخر كلامنا في هذه الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وابعثنا في زمرة المتبعين، غير المبدلين ولا المغيّرين.










