الاستخارة… تسليمُ الأمر لله

|

الاستخارة ليست بحثًا عن علامة، بل تفويضٌ لله وثقةٌ بحكمته.

من أكثر المفاهيم التي شاعت بين الناس حتى غدت عند كثير منهم من المسلَّمات، وهي في الحقيقة لا أصل لها في السنة: الاعتقاد أن نتيجة الاستخارة تُعرف بانشراح الصدر، أو براحةٍ نفسيةٍ يشعر بها الإنسان، أو بحلمٍ يراه بعد الصلاة.

ومع مرور الزمن تحولت هذه الفكرة إلى قاعدةٍ يُبنى عليها مصير الناس؛ فكم من زواجٍ صالحٍ رُفض، وكم من وظيفةٍ نافعةٍ تُركت، وكم من مشروعٍ مباركٍ وُئد في بدايته، لا لخللٍ في القرار، ولكن لأن صاحبه قال: “استخرت… ولم أشعر بالراحة”.

ولكن هنا يبرز سؤال ينبغي أن يراجع كل مسلم نفسه فيه:
هل جعل الله مشاعر الإنسان دليلًا على اختياره لعبده؟

الجواب: لا.

فلو كان انشراح الصدر، أو انقباضه، أو الرؤى والمنامات، علامات شرعية يُعرف بها جواب الاستخارة، لما تركها النبي ﷺ دون بيان، وهو الذي بلَّغ الدين كاملًا، وعلَّم أمته دعاء الاستخارة بألفاظه، ولم يذكر بعده انتظار رؤيا، ولا مراقبة إحساس، ولا ترقُّب علامة.

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
«كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل…» ثم ذكر دعاء الاستخارة. رواه البخاري.

ولو تأملت ألفاظ الدعاء، لوجدت أنها تبني قلب المؤمن على معنى أعظم من مجرد البحث عن شعور.

فالمستخير لا يقول:
“اللهم أشعرني بالراحة إن كان خيرًا”.

ولا يقول:
“اللهم أرني علامة أو رؤيا تدلني عليه”

وإنما يقول:
«اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أنه شر لي، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به».

إنه لا يطلب علامة، وإنما يطلب اختيارًا.
ولا يسأل إحساسًا، وإنما يسأل تدبيرًا.
ولا يفوض أمره إلى قلبه، وإنما يفوضه إلى رب قلبه.

وهنا يكمن الفرق بين من يثق بعلم الله، ومن يجعل تقلبات نفسه ميزانًا لما أراده الله.

فالمشاعر لا تصلح أن تكون حكمًا؛ لأنها تتغير مع الخوف، والقلق، وضغط الواقع، والتجارب السابقة، والوساوس، بل قد يخاف الإنسان من الخير، ويطمئن إلى ما فيه ضرره.

أما الله سبحانه فهو الذي يعلم ما غاب عنك، ويرى من العواقب ما لا تراه، ويعلم الخير قبل أن يظهر، والشر قبل أن يقع.

ولهذا أرشد القرآن إلى المنهج الصحيح، فقال تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].

فبدأ بالمشاورة، ثم بالعزم، ثم بالتوكل.
ولم يجعل الميزان تقلب المشاعر، ولا انتظار الإشارات.
إنّ حقيقة الاستخارة ليست أن يخبرك الله بما تشعر، وإنما أن يتولى أمرك بما يعلم.

ولهذا قال سبحانه:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

فهذه الآية تكشف حقيقة النفس البشرية؛ فقد تكره ما فيه سعادتك، وتحب ما فيه هلاكك، فكيف تجعل شعورك دليلًا على اختيار الله لك؟

ولهذا كانت خاتمة دعاء الاستخارة من أبلغ ما يكون:
«واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به».

أي: يا رب، لا تجعل أمري تابعًا لما تهواه نفسي، ولا لما يطمئن إليه قلبي في لحظة، بل اختر لي بعلمك، ودبّر لي بحكمتك، ثم ارزقني الرضا بما اخترته لي.

هذه هي حقيقة الاستخارة.

  • ليست انتظار حلم.
  • وليست مراقبة انشراح أو انقباض.
  • وليست تعليق الحياة على شعور متقلب.

إنها عبودية عظيمة، ينتقل فيها العبد من الاعتماد على نفسه إلى الاعتماد على ربه، ومن الثقة بنظره القاصر إلى الثقة بعلم الله الكامل.

فاستخِر، ثم استشر، ثم خذ بالأسباب المشروعة، ثم امضِ متوكلًا على الله، راضيًا بحكمه، مطمئنًا إلى وعده. فإن كان في الأمر خير، سألت ربك أن يقدره لك ويبارك فيه، وإن كان شرًا، سألتَه أن يصرفه عنك ويصرفك عنه، ثم يرزقك الخير حيث كان.

فالاستخارة ليست وسيلة لمعرفة الغيب، وإنما عبادة لإظهار الافتقار إلى من بيده الغيب كله.
وليست طلبًا لإشارة من السماء، وإنما تسليمٌ لله أن يختار لك ما لا تُحسن أنت اختياره لنفسك.

وهذا هو كمال العبودية، وهذا هو المعنى الذي جاءت به السنة، وهو أعظم من أن يُختزل في حلمٍ عابر، أو راحةٍ مؤقتة، أو شعورٍ يتبدل مع تقلب النفس والهوى.

للمزيد:
الدعاء، رحلةُ الروح إلى اليقينِ والتسليم
أجوبة عن أسئلة في الاستخارة، والتوبة، والإنجاز

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة