
لاتبالغ التعقيم
يجتهد الوالدان في إنشاء بيئة سليمة لأبنائهم، ويحاولون مسح كلَّ جرثومة منها. ولكن؛ علينا ألَّا نبالغ في التعقيم.
إنّ المبالغة في التعقيم تضعف الجسد وتهدم المناعة، فيصير التأثُّر بالجراثيم سريعًا ومضاعفًا. عقِّم البيئة نعم؛ لكن بلا مبالغة وغلوٍّ يعود بالضرر البالغ على ابنك وجسده.
ولكنَّ هذا ليس الباب الذي أريد طرقه تمامًا. إنَّما أطرق باب التربيَّة. إنَّ المبالغة في تعقيم بيئة الأبناء وحمايتهم وإزالة العقبات من طريقهم؛ لذات أثر بالغ في نفوسهم وتصيب صبرهم في مقتل.
لقد خُلق الإنسان في كبد، ولقد جُبلت هذه الدنيا على كدر، ولا تخلو حياة أحد من البلاء. بل إنَّ الخير في ذاته بلاء، ولا يقتصر ذاك على الشرِّ. قال ربُّنا جلَّ جلاله:
﴿ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾
وفي تفسير السعدي قال: ( الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيُّهم أحسن عملًا ).
فالإنسان مبتلى لا محال، والتعقيم الذي يبالغ به الأبوان ينافي ما سيجده الطفل حين يكبر؛ فتراه يصطدم بواقع الحياة. فلو ابتلي بالشرِّ -خصوصًا- تراه متعثِّرًا، تراه خائفًا، تراه بلا صبر وبلا جلد. لأنه اعتاد الدعة، وألف نعومة العيش وسلامة الطريق، وما كوَّن مناعة وحصانة ضدَّ عقبات الحياة. تراه أصيب بهشاشة نفسية، وصار كثير عرضة للأزمات النفسية والإحباط والاستسلام.
ولو ابتلي بالخير؛ لما عرف نعمة ربه وفضله عليه، ولما شكر؛ إنَّما سيرى ذلك حقًّا له؛ كونه اعتاد على العافية والسلامة والبيئة المعقَّمة.
ما يحتاجه منك ابنك حقًّا هو أن تعلِّمه كيف يتعامل مع الجراثيم ويكتسب مناعة ضدَّها. يحتاج أن يتعلَّم كيف يواجه العقبات والعثرات والصعوبات بلا أن يفقد صبره وثباته ويقينه. يحتاجك أن تكون جنبًا لجنبه وتجهِّزه للحياة الدنيا، ولا تنسَ أن تعلِّمه أنَّها دُنيا، دُنيا!
شارك الصورة:


































































































