«الغربة سُنَّة، والعاقبةُ للمُتَّقين»

|

إنَّ طريق الحقّ محفوفٌ بالمكاره، لا يُزيّنه الباطل ولا تُفرشُ عليه زهور الدنيا، بل هو طريقٌ وعرٌ لا يسلكه إلا من باع نفسه لله، ورضي أن يعيش الغربة بين أهله وعشيرته، إذا انحرفوا عن الهدى وأعرضوا عن النور.

ولقد جرت سُنَّة الله أن يبتلي أولياءه، فيجعلهم بين أقوامٍ يسخرون ويستهزئون، حتى يميّز الله الخبيث من الطيب، ويُظهر صدق أهل الإيمان من تلوّن أهل النفاق.

تأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء:36]. وقوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:10].

فما تغيّرت سُنَّة الله، ولا تبدَّلت:الاستهزاء نصيب أهل الحق، ثم تكون لهم العاقبة والنصر المبين.

إنها غربة ، نعم، ولكنها غربة موصولةٌ بوعدالله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:30].

والنصر ليس قريباً فحسب، بل هو وعدٌ موعود: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:51] وقال تعالى: ﴿و َلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40].

فامضِ على الطريق غير هيّابٍ ولا وجل،واثبت كما ثبت الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَااسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:146].

واعلم أن هذه الغربة ما هي إلا مقامُ رفعةٍ وتمحيص، يطهِّر الله بها القلوب، ويُعِدُّ بها النفوس للقاءٍ أعظم.

وقد قال النبي ﷺ: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء» [رواه مسلم]. فطوبى لهم… طوبى لمن آثروا الحقَّ على الهوى، والثبات على الزلل، والآخرة على الدنيا.

فالغُربةُ ليست انكسار اً، إنما هي ميدانُ عزّة، بها يُعرف أهلُ الإيمان من أهلِ التلوّن، وبها يُرفع لواءُ الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خذلها ولا من خالفها، حتى يأتي أمرُ الله وهم ظاهرون على الحق.

فاصبر أيها الغريب، واثبت، وتيقن أن خلف هذا الليل فجراً، وخلف هذه الدموع بشائر، وخلف هذا الطريق الشاقّ جنة عرضها السماوات والأرض.وإنك لتقرأ في كتاب الله و عداً لا يتخلّف:﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:128].

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة