هل تحب قصص الأبطال و التشويق والمغامرة؟ هل تفضل النهايات المفتوحة التي تثير التساؤلات، أم النهايات المغلقة التي تأتيك بالإجابات؟
اقترب؛ لأروي لك قصة من أعظم ما قد تسمع يومًا، قصة تمزج البطولة بمعاني الرجولة الحقّة، تُريك عزة المسلمين وبأسهم في أشد لحظاتهم، حينما تصير أرواحهم في سبيل الله أغلىٰ ما يملكون، وأرخص ما به يضحون.
قدم علىٰ النبي -ﷺ- قوم من قبيلةٍ من قبائل المشركين، معلنين رغبتهم في الإسلام، وطلبهم لمن يعلّمهم الدين، ويقرئهم القرآن. فرحّب بهم النبي ﷺ، وأرسل إليهم عشرةً من أصحابه الأوفياء، علىٰ رأسهم سيدنا عاصم بن ثابت رضي الله عنه.
لكن، ما إن وصلوا موضعًا ما غدر هؤلاء القوم بهم، واستصرخوا عليهم حيًا من هذيل يُدعىٰ بنو لَحْيَان فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ، واقتَفوا آثار الصحابة حتىٰ أحاطوا بهم وهم في موضعٍ مرتفع، وقطعوا لهم عهدًا إن نزلوا ألا يقتلوهم، لكن سيدنا عاصم -رضي الله عنه- أبىٰ أن يأسره كافر، وقال: “أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر!”.. وقاتلهم بشجاعة وثبات، مرددًا: “اللهم حميتُ دينك أول نهاري، فاحمِ لي لحمي آخره!” وظل يقاتل -رضي الله عنه- حتىٰ استشهد هو وستةٌ من أصحابه، مستبسلين في سبيل الله.
بقي من الصحابة ثلاثة؛ سيدنا خبيب بن عدي، واثنان آخران، فقبلوا عهد المشركين وميثاقهم؛ -لكنهم لم يكونوا يعلمون أن خيانة العهد جزء من طبع عدوهم- فغدروا بهم، وكان أول الغدر أن أوثقوهم، فلما رفض أحدهم السير معهم؛ قتلوه!
بقي اثنان فقط؛ سيدنا خبيب بن عدي، وابن الدثنة رضي الله عنهما، وبيع كل منهما لأهل مكة، ومن شدة خبث المشركين باعوا كل واحد منهما لمن له ثأرٌ عنده في بدر!
فباعوا سيدنا زيد بن الدثنة لصفوان بن أمية، فقتله انتقامًا لأبيه، وأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل؛ ليقتلوه ثأرًا بأبيهم -الحارث- الذي قُتل يوم بدر علىٰ يد خبيب.
مكث خبيب في أسرهم، حتىٰ إذا أجمعوا قتله استعار الموس من بنات الحارث؛ ليستحد فأعارته، وغفلت عن صبي لها فجلس علىٰ فخذه؛ ففزعت المرأة خوفًا من أن يقتله انتقامًا منه؛ فقال خبيب: “أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالىٰ” فكانت تقول: “ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذٍ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقًا رزقه الله!” وعندما خرجوا به من الحرم ليقتلوه قال: “دعوني أصلي ركعتين”، ثم انصرف إليهم فقال: “لولا أن تروا ما بي جزع من الموت لزدت” (يعني لولا أن تحسبوني خائفًا من الموت في سبيل الله -عز وجل- لزدت في صلاتي عن الركعتين) فكان أول مَن سنّ الركعتين عند القتل، ثم قال: “اللهم أحصهم (أهلكهم) عددًا، واقتلهم بددًا (متفرقين)، ولا تبق منهم أحدًا”، وألقىٰ قصيدته الشهيرة، يقول فيها:
“فلستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِمًا،
علىٓ أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعي..
وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ،
يُبارِكْ علىٰ أوصالِ شِلْو مُمَزَّعِ..
وقد خَيَّرُوني الكُفرَ والموتَ دُونَه،
وقدْ هَمَلَتْ عَيْنايَ من غَيرِ مَجزَعِ..
وما بي حَذارُ الموتِ، إني لَمَيِّتٌ،
ولكنْ حَذاري جُحْمُ نارٍ مُلَفَّعِ..
ولستُ بمُبدٍ للعدو تخشُّعًا،
ولا جزَعَاً، إنّي إلىٰ الله مَرجِعي..
فقتلوه وصلبوه، ووكلوا به من يحرسه؛ فجاء عمرو بن أمية الضمري -رضي الله عنه- فاحتمله بخدعة ليلًا، فذهب به فدفنه.
أما عن عاصم -رضي الله عنه- الذي دعا الله -عز وجل- قائلًا: “اللهم حميتُ دينك أول نهاري، فاحمِ لي لحمي آخره”، فقد أرسلَت قريش مَن يُحضِر جثته، أو شيئًا من جسده؛ يعرفونه به؛ إذ كان قد قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، لكن الله بعث عليه مثل الظلة من الدبابير (النحل)؛ فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه علىٰ شيء، رغم محاولاتهم المستميتة للوصول إلىٰ جثمانه رضي الله عنه.
تأمل هذه المواقف العظيمة؛ انظر لعزة المسلمين وبأسهم، انظر لتلك المهابة التي استحقوها حتىٰ وهم في أحلك الظروف، انظر لإكرام الله لهم حتىٰ بعد موتهم!
هؤلاء الأبطال هم آباؤك، هؤلاء أصلك، أصحاب العزيمة والصلابة، إن بحثت في ذاتك جيدًا، حتمًا ستجد تلك البسالة، وعزةً كامنةً، وشجاعةً عميقة موجودة فيك، لكنها مختبئة خلف وَهم حالوا أن يزرعوه فيك؛ أنك ابن أمة بائسة، والعكس -تمامًا- هو الصحيح، أنت ابن أمة عزيزة شامخة، وهم البؤساء الذين يدارون ذلتهم وصغارهم خلف أبطالٍ وهميين.
فلا تنخدع لهم، وابحث عن ذاتك في سير آبائك الشامخين!
راجع الجزء الأول ، من هنا.










