الصحبة ج2

|

الصحبة؛ هي رسائل تُكتب لكل من جلس يومًا في زاوية الحيرة، ولكل من أرهقته المسؤوليات، ولكل من ظن أن أحدًا لا يشعر بما فيه. هنا ستجد صوتًا يقول لك: لست وحدك، وما دمت مع الله فأنت في صحبة لا تنقطع.

وقد سبق نشر الجزء الأول منها. تجدونه هنا “الصحبة ج1

الصحبة ³

مرحبًا يا صديقي، هأنا أعود إليك من جديد، أعود للكتابة لك، أو لنا، أكتب لك حين أشعر بأنني في حاجة إلى أن يُكتب لي، أواسيك، أواسيني، أواسي كلينا.

اليوم، وبين الأوراق، كنت أُحدث نفسي، فشعرت أننا نتشابه أكثر مما نظن.
أعلم بأننا نمتلك الحرقة ذاتها، والصمت ذاته، والبعثرة ذاتها، نركض كثيرًا، نحاول أيضًا، ولكننا في نهاية اليوم نسأل أنفسنا: كيف مضى النهار وأنا ما زلت أركض، ولم أرَ بصيص نورٍ يُبشّرني بأنني فعلت؟

كلانا يعلم أننا نحاول، وأن جيش الأفكار يُمزق أرواحنا بسيوفٍ لا تُرى، جميعنا نبحث عما نَتلمس، عما يُبشر ويُواسي، ولكن أنا وأنت نعلم أيضًا أننا لم نُخلق لنرى النتيجة.

فكثيرٌ من الصحابة رضي الله عنهم لم يشهدوا الانتصارات كاملة، ولم يشهدوا انتشار الإسلام، ولكنهم جاهدوا، كان يقينهم أنهم يسعون لله، يسعون لصنع مكانة في السماء على أبواب الجنة؛ فهانت عليهم كل تلك الأعباء.

وكذلك نحن يا صديقي، لا بد أن يكون لدينا يقين وتربية داخلية، أن سعينا قد لا يُرى هنا على الأرض، ولا أمام أعيننا، وقد نموت ونحن ما زلنا لم نلمس تلك الأشياء المتوقعة
التي رسمناها في مخيلاتنا، ولكن الله يعلمها.

أنت مسؤول عن السعي يا صديقي، أما النتيجة فبيد الله سبحانه.

أنت مسؤول عن الزرع، لا عن نوع الثمر.
أنت مسؤول عن المحاولات، لا يهم كم يكون مقياس الفشل، هل تعلم لماذا؟ لأنك سعيت.

أنت مسؤول عن تصحيح النية، أن تكون خالصة لله، وهذا هو الربح الكبير.

تمسك بقول الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

أن تعيش وأنت تمسح على روحك المُرهقة
وتقول: إنها لله، كل هذا لله.

فلذلك لا بأس إن فشلنا، ولا بأس إن تلعثمت ألسنتنا في قراءة القرآن، ولا بأس إن لم نستطع فهم محاضرة، أو قراءة درس، أو حفظ تعريف.

لا بأس إن سعيت وربيت وزرعت وبذلت وكل النتائج التي كانت تعود إليك غير مرضية!

المهم أنك تحاول، المهم أنك تنزع الشظايا، وتنهض من جديد.

وأخيرًا، المهم أنك لله.
إنا لله يا صاحبي…

الصحبة ⁴

مساء الخير يا صاحبي، أكتب لك على عَجَلةٍ من أمري، لكنني وددتُ أن أحدثك عن هذا الشَّعث المنتشر حول روحي، أو لِنقل حول روحينا!

يا صاحبي، لستُ أهلًا للنصيحة، حتى لا أسميها كذلك، لكنني أحب المواساة، تلك التي كان يحبها نبينا ﷺ حين يواسي أصحابه.
هناك ممرٌّ يتوغّل في روح كلٍّ منا، تسكنه التساؤلات، والكلمات المبتورة، والحزن الغريب الذي يأتي فجأةً على حين غفلة.

هل تعلم؟ ليلة البارحة كنتُ أنظر إلى شريط الحياة عبر زجاج نافذة السيارة، رأيتُ الأيام تركض كالطريق، تركض فوق جثمان العابرين، الحزينين منهم والضاحكين، ولا تتوقف. إن نهضتَ وركضتَ معها تهالكت، وإن جلستَ دهستك، وإن حاولتَ مسايرتها أرهقتك.

همستُ في نفسي، وهذا الهمس يخيف قلبي الصغير: ماذا لو توقفتُ قليلًا؟

أخلع رداء المسؤوليات عن ظهري، أخلع الدنيا كلها، أخلع الثواني والأصوات، أرتدي الصمت، وأنزوي في ركنٍ صغير من بيت الحياة الواسع.

ماذا لو توقف كل شيء للحظة؟
تعطلت الأيام، وشربنا قهوةً على مطار اللا شيء.
فكرتُ كثيرًا يا صديقي، ولا أخفيك أنني توقفتُ عن الحياة لبعض الوقت، ثم نظرتُ إلى السماء.

آهٍ يا صاحبي، كم أحب عبادة النظر إلى السماء! أشعر بصِغر حجمي أمام عظمة خالقي، أرى الغيوم وأتذكر قول الله تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية.

ثم همستُ لنفسي مرةً أخرى: إذا كان الله جل جلاله قد رأى نظرة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلم ما في نفسه، أفَيَجهل حزنَك وثقلك ومسؤوليتك؟ حاشاه سبحانه وتعالى.

الله مطلع عليك، على كل ثقب، كل زاوية، كل ممر، كل خيبة، الله مطلع على صمتك وهمسك.

الله معك يا هذا، ألا تسمع؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة