إنَّ من أشقِّ أمراض القلوب، وأخطرها على إيمان المسلم هو: داء القسوة، الذي إذا تُرك استفحل في القلب حتى يتراكم عليه الران، وما أدراك ما الران!
- معنى القسوة لغة: غِلَظُ القَلبِ وشِدَّتُه، والصَّلابةُ في كُلِّ شَيءٍ.
- ومعنى قسوة القلب شرعاً: ذهاب اللين منه، وقلة رقته، والبعد عن الخشوع، فلا ينتفع بموعظة، ولا يقبل نصيحة، ولا يميز بين الحق والباطل.
والقسوة -حسب اجتهادي- على أربعة أقسام:
- القسم الأول: قسوة القلب التي ترادف الكفر والشرك وعدم الإيمان.
- القسم الثاني: قسوة القلب التي هي عكس الرحمة؛ أي القسوة السلوكية والأخلاقية في التعامل بين البشر وبين سائر المخلوقات.
- القسم الثالث: قسوة مشروعة كالشدة والغلظة في جهاد الكفار والمشركين، وعند الاستهزاء بالدين، وعند إقامة حدود الله ونحو ذلك.
- القسم الرابع: القسوة التي تصيب قلب المسلم نتيجة الغفلة، وما يتبعها من البعد عن الخشوع، وارتكاب المعاصي دون توبة، وعدم الاتعاظ بالمواعظ والمصائب، والإعراض عن شعائرِ الله وشرائعه، والابتعاد عن التقى والهدى، وهو موضوع مقالنا الأساسي.
وغالباً ما يقع تلازم بين القسمين الثاني والرابع فيما يظهر لي.
ومن أعظم ما يبين خطورة القسوة القلبية:
أن يضعف في قلبك تعظيمُ الرب جل جلاله، ويخفت وهج الإيمان في نفسك…
حين ترى نفسك تقع في المعاصي والمنكرات غير مبالٍ بها، ولا تُلحقها بتوبة صادقة، بل قد تصل إلى المجاهرة بها…
عندما تمرَّ بك الجنازة والجنازتان، وتقرأ أخبار الموت، فلا تتعظ ولا ترعوي…
حين تسمع آيات القرآن وأحاديث الوعيد، فلا تخشع ولا يرق قلبك باكيًا من خشية الله، عندما يغرَّك الشيطان، فتكسل عن الطاعات وأعمال الخير، فتكون مواسم الطاعة عندك مواسم للغفلة والآثام، حتى تصل إلى التفريط في الفرائض فرضاً عن التفريط في السنن والنوافل…
حين تتعلَّق بالدنيا، وتؤثرها على الآخرة، فتغدو هي همَّك وشغلك الشاغل…
فلا تسأل بعد ذلك عن حال صاحب هذا القلب؛ تراه يتخبط في دياجير حالكة، لا يميّز ليله من نهاره، لما تراكم عليه من الذنوب وأثقال الغفلة، حتى ينفلت قلبه منه ويغدو أسيرًا لقبضة الشياطين.
إن القسوة لا تليق بالمؤمنين قال تعالى: (أَلَمۡ یَأۡنِ لِلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا یَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَیۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ فَـٰسِقُونَ)
قال الطَّبَريُّ: “وقَولُه: فقَسَتْ قُلُوبُهُمْ عن الخَيراتِ، واشتَدَّت على السُّكونِ إلى مَعاصي اللهِ”
والقلب إذا قسى امتنع عن الخير، حتى يظهر عليه الران كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)”.
وهذا يدلّ على أن المعاصي تُحوِّل القلبَ حتى يصير سوادًا خالصًا!
قال ابن القيم رحمه الله: “أبعد القلوب من الله القلب القاسي”.
فأين نحن من قراءة القرآن بخشوع وتدبر؟ وأين نحن من الذكر والاستغفار وسماع المواعظ، تلك التي تلين القلب وتذيب القسوة، فتفيض منها الدموع خشيةً لله؟
فقد جاء رجلٌ للحسن البصري يشكو إليه قسوة قلبه فقال له: «أذِبْه بالذِّكر».
- ومن علاج القسوة: التقلل من المباحات والملهيات، وقلة مخالطة الناس بغير فائدة، وعيادة المرضى، وحضور الجنائز، وزيارة القبور بقلبٍ منيبٍ وجل، والاعتبار بأحوال أهل القسوة، وتجنب كتب أهل البدع والفجور.
- وأصل ذلك كلِّه: توبةٌ صادقةٌ نصوح، فإن الله يقبل التوبة ولو تكرر الذنب ألف مرة، فعليك بملازمة صحبة الأخيار، وترك صحبة الأشرار، واجتناب المال الحرام، والإحسان إلى اليتامى والمساكين، وتجنب الجدال والمراء، وكثرة الضحك، والإقبال على طلب العلم؛ فإن الجهل بالله يجرّئ العبد على معصيته.
أخيرا،
داء القسوة فتاك، سريع التغلغل بطيء الزوال، فاجتنبوا ما يورثه، وتعوذوا بالله منه، واحرصوا على مراقبة قلوبكم.










