سلسلة وقفات مع أمراض القلوب (٦): الحقد والغل – نارٌ حارقة

|

إنَّ من أخطرِ الأدواءِ القلبية التي تضرُّ صاحبَها أكثرَ مما تضرُّ غيرَه: داءَ الحقد والغل؛ فهو مرضٌ خبيثٌ يتسلَّل إلى أعماق القلب والروح حتى يجد الشيطانُ إليه سبيلًا.

  • معنى الحقد لغة: إمساكُ العَداوةِ في القَلبِ، والتَّربُّصُ لفُرصتِها.
  • ومعناه اصطلاحًا: إضمارُ الشَّرِّ للجاني إذا لم يتمَكَّنْ من الانتقامِ منه، فيُخفي ذلك في نفسه إلى حين إمكان الفرصة عليه.

وقد جاء ذكر هذا المرض وبيان خطره في القرآن الكريم والسنة النبوية:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾

وسُئل النّبيُّ ﷺ عن مخموم القلب، فقال ﷺ: “هو التَّقِيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بَغيَ، ولا غِلَّ ولا حَسَدَ”.

وقال أبو حاتمِ بنُ حِبَّانَ رحمه الله: “الحِقْدُ أصلُ الشَّرِّ، ومَن أضمَرَ الشَّرَّ في قَلبِه أنبَت له نباتًا مُرًّا مذاقُه، نماؤُه الغَيظُ، وثَمَرتُه النَّدَمُ”.

وللحقد ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: الحقدُ المحرَّم، وهو ما يتولَّد عنه من آفاتٍ ظاهرة كالحسد والشماتة، ويجرُّ صاحبَه إلى هجر أخيه وازدرائه، حتى وإن أقبل الأخير طالبًا الود. ويتعدى ذلك إلى الغيبة والسخرية، وربما آل الأمر إلى الأذى البدني أو التعدي على الحقوق، وذلك من كبائر الذنوب.
  • القسم الثاني: وهو إضمار البغض للمسلمين دون نية إلحاق الضرر بهم، وهو أدنى مراتب الحقد غير أن قلبه يظلُّ منطويًا على ثِقَلٍ وبغضٍ لا يسعى إلى دفعه أو معالجته؛ إذ يمنع صاحبه من بِشرِ الوجه، والرفق، والقيام بحقوق الأخوة كالدعاء والمعاونة على الخير، وكلُّ ذلك مما يُنقِص من كمال إيمانه، ويحول بينه وبين فضلٍ عظيمٍ وثوابٍ جزيل، وإن لم يبلغ به حدًّا يعرِّضه لعقاب الله سبحانه وتعالى.
  • القسم الثالث: الحقد على أهل الكفر والشرك، ولا سيما المحاربين للدين وأهله، وهذا من البغض المشروع الذي حثت عليه الشريعة.

ومن أخطرِ تجليات هذا الداء العضال:

أن تجد في صدرك غيظاً على العلماء وسائر المسلمين دون سببٍ معقول!
حين تقع بينك وبين أحدهم شحناء، فيطلب منك العفو والصفح فتأبى انسياقًا وراء ضغينةٍ تملكت قلبك تجاه أخيك…
عندما تجد في قلبك غصةً من غضبٍ أو كراهية لمجرد أن أخاك المسلم قد نال خيرًا كنت ترجوه لنفسك؛ فلا قلبُك سَلِمَ من الغِلِّ ففرحتَ له، ولا لسانُك نطق بالمعروفِ فباركتَ له؛ وكأنك تأبى على نفسك حتى أجر الكلمة الطيبة!

بل إن من أشد صور هذا الداء أن يفيض قلبك بالحقد والكراهية على من فضلهم الله تعالى على خلقه؛ من زوجات النبي ﷺ والصحابة الذين آزروا النبي ﷺ في غزواته، وفي حلّه وترحالِه، واستشهدوا دونه، وقُطعت أوصالهم حباً له ﷺ وابتغاءً لمرضاة الله تعالى.

فالحقدُ علةٌ، وأيّما علة! تنخر فيك وتستجلب لك كل أنواع الشر وأنت لا تدري؛ فيغدو عيشك منغصًا، وتقضي عمرك في ضيقٍ كأنه الضنك، ليصل بك الحال كمن يشعل النار في نفسه ظنًّا منه أنه ينقذها أو يسترد “حقه” من الناس بنقمته عليهم. وقد قيل: “ارحَمْ نَفسَك من الحِقْدِ؛ فإنَّه عَطَبٌ، نارٌ وأنت الحَطَبُ”.

فيا مَن ابتُليت بهذا المرض وهذه الضغينة، تدارك نفسك بصلة الأرحام، وإحسان الظن بإخوانك المسلمين، والإحسان إلى مَن حدّثتك نفسك بالحقد عليهم. أهدِهم مما تحب لنفسك، وعليك بالدعاء؛ فهو من أعظم أسباب زوال الأحقاد والضغائن، فلعل مجاري المياه تعود، ولعل الشرور من القلب تزول، ولعل الطمأنينة وراحة البال ترجع إليك، مستمسكًا بهدي النبي ﷺ وصحابته في سلامة الصدر على المسلمين كافة.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول:”إني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلدًا من بلدان المسلمين فأفرح به، ومالي به سائمة”.
أي ليس لي فيه ماشية.

وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما:
“لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصَّدر.”
وهذا من سلامة صدورهم رضي الله عنهم على جميع المسلمين.

فالحذرَ الحذرَ من هذا الداء الخطير، الذي قد يستقر في جوف صاحبه فيصعب علاجه، فيفسد عليه دينه، ويكدِّر عليه دنياه. فطوبى لمن سلِم صدره، ونقِي قلبه، وأحبَّ للمسلمين ما يحب لنفسه، وسعى في إزالة وتطهير ودفع ما في قلبه من غلٍّ وضغينة، حتى يلقى الله بقلبٍ سليم.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة