أسماء الله الحسنى

|

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم نبينا محمد ﷺ ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[الأعراف – ١۸۰]

أسماء الله سبحانه وتعالى حُسنى وصفاته عُلا، نؤمن بها كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تمثيل ولا تكييف.

والعلم بها ومعرفتها من أجل العلوم وأشرفها، تتضمن أنواع التوحيد الثلاثة، تقرب العبد من ربه.

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: “السَّيْرُ إِلى اللَّهِ تَعالى مِنْ طَريقِ الْأَسْماءِ وَالصِّفاتِ شَأْنُهُ عَجَبٌ، وَفَتْحُهُ عَجَبٌ، صاحِبُهُ قَدْ سَبَقَ السُّعاةَ، وهو مُسْتَلْقٍ على فِرَاشِهِ غَيْرَ تَعِبٍ وَلَا مَكْدُودٍ، وَلَا مُشَتَتٍ عَنْ وَطَنِهِ، وَلَا مُشَرَّدٍ عَنْ سكنه”.

وقَالَ رحمه الله: “كُلَّمَا كَانَ العَبْدُ بِهَا أَعْلَمَ؛ كَانَ بِاللَّهِ أَعْرَفَ، وَلَهُ أَطْلَبَ، وَإِلَيْهِ أَقْرَبَ، وَكُلَّمَا كَانَ لَهَا أَنْكَرَ؛ كَانَ بِاللَّهِ أَجْهَلَ، وَإِلَيْهِ أَكْرَهَ، وَمِنْهُ أَبْعَدَ، وَاللَّهُ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ يُنْزِلُهُ العَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ

وفِي مَعْرِفَتِهَا تَنْزِيه اللَّهِ وَتَقْدِيسهُ عَنِ النَّقَائِصِ، وَوَصْفهُ بِصِفَاتِ الكَمَالِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الآية.

كما أَنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ تَعْرِيفُ الخَلْقِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لِيَعْبُدُوهُ، قَالَ شَيْخُ الإِسْلَام رحمه الله: «مَعْرِفَتُهُ غَايَةُ المَعَارِفِ، وَعِبَادَتُهُ أَشْرَفُ المَقَاصِدِ، وَالوُصُولُ إِلَيْهِ غَايَةُ المَطَالِبِ؛ بَلْ هَذَا خُلَاصَةُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَزُبْدَةُ الرِّسَالَةِ».

كما أَنَّ مَعْرِفَةَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ تُورِثُ العِلْمَ بِاللَّهِ، وَتَزِيدُ فِي الإِيمَانِ وَالخَشْيَةِ، وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْلَمَ النَّاسِ بِاللَّهِ قَالَ: «فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيةٌ»’¹’ وأيضًا أَنَّهَا تُوجِبُ مَحَبَّتَهُ وَتَعْظِيمَهُ سبحانه وتعالى، قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رحمه الله: «نَفْسُ العِلْمِ وَالتَّصْدِيقُ بِاللَّهِ، وَمَا لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ العُلَا يُوجِبُ مَحَبَّةَ القَلْبِ لَهُ وَتَعْظِيمَهُ وَخَشْيَتَهُ»”.

وغيرها مما تورث معرفتها وأهمية العلم بها وما يُجنى من ثمار ذلك.

ومن هذه الأسماء: العفو، الغفور، الغفار.

قال السعدي رحمه الله:
العفو الغفور الغفار، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ۸٢].

العَفُوُّ:
قيل أصل العفو: المحو والطمس، ومنه: عَفَتِ الرياح الآثار، إذا درستها ومحتها. فالله هو العفو، بمعنى أنه يُسامِحُ ولا يؤاخِذُ على الذنب، فهو يمحو أثر الذنب، ولا يُعاقب سبحانه مَنْ شاء من عباده. وعَفْو الله العفو عظيمٌ ومغفرته مغفرةً كُبرى، فالله عَفُوٌّ كثير العَفوِ.

الغَفُور، الغَفَّار:
قيل أصل الغفر: هو الستر والتغطية، ومنه يُقال: المِغْفَرُ الذي يغطى به الرأس في الحرب. فمن هذا المعنى أُخِذَتْ هذه الكلمة «المغفرة»، يعني ستر الذنب والتجاوز والمسامحة والصفح من الله. وهو سبحانه الساتر لذنوب عباده، فلم يُطلع عليها غيره، وهو المتجاوز عن خطاياهم. والعَفُوّ أبلغ من الغفور؛ لأن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر.

وهذه الأسماء ثابتة لله سبحانه وتعالى، قال جل جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ۸٢].
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

و مما جاء في العفو:
كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ…».

وهذه الأسماء تورث رجاء الله ومحبته، فهو الذي يغفر ذنوب عباده ويمهلهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، بل يفتح عليهم أبواب رحمته ونعمه، ويتوب لمن تاب منهم توبة نصوحة. واستحضار هذه المعاني وعظيم مغفرة الله وعفوه سبحانه تعالى تجعل الإنسان يستحي من ربه أن يعصيه، فالله يمهله ولا يفضحه، بل يستر ويعفو عن الذنب.

أفلا يدعوك أن تتقي الله وتخشاه، أن تستحي منه!! أن تسعى لتوبة نصوح تطلب العفو والمغفرة من الله سبحانه وتعالى.

تدعوه ليستقيم على طاعة الله، فكما أن الاستغفار يمحو السيئات فمن فضل الله أن طاعته تمحو السيئات؛ فيُكثر منها، كصيام الأيام البيض، والجمعة إلى الجمعة، وغيره من العبادات التي تستكثر الحسنات رجاء عفو الله وغفرانه.

إن مغفرة الله مغفرة عظيمةٌ كعظمته سبحانه وتعالى، ورد في سنن الترمذي فيما يرويه نبينا ﷺ عن ربه قال: «يا ابن آدم إنـك مـا دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو آتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة».

فتخيل عظيم هذه المغفرة، هذا يجعل غاية العبد أن يلقى الله وهو غير مشرك به أحدًا، فإن الله يغفر الذنوب جميعًا سوى الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤۸]

إن الله لا يغفر أن يُشرك به شيء من مخلوقاته، ويتجاوزُ عما دون الشرك والكفر من المعاصي لمن يشاء بفضله، أو يعذب بها من شاء منهم بقدر ذنوبهم بعدله، ومن يُشرك مع الله غيره فقد اختلق إثمًا عظيمًا لا يُغفر لمن مات عليه.’²’

وباستحضار عظيم مغفرة الله سبحانه وتعالى وكمال عفوه، يفتح للعاصي باب توبةٍ وأن الله غفور عفو؛ فلا ييأس ولا يقنط، بل يحسن الظن بربه ويتوب إليه. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].

فهذه آية رجاء لكل من أقنطه الشيطان من رحمة الله به، أن الله غفور لكل ذنب سوى أن يموت على الشرك.

معرفة هذه الأسماء، والتعبد بها، ودعوة الله بها، ولهج اللسان بالاستغفار ليل نهار، وطلب العفو من الله، والمسارعة إلى التوبة النصوح، والتقرب لله بالأعمال الصالحة التي تكفر السيئات، وكثرة الاستغفار تأسّيًا بنبينا ﷺ؛ فهو يستغفر الله أكثر من سبعين مرة في اليوم، هذا وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً”.

كلها تزيد معرفة العبد بربه، محبته ورجاءه سبحانه وتعالى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا هو جل جلاله، وعفوه وغفرانه عظيم كما يليق بجلاله وجهه وعظيم سلطانه.

قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
فهو الكريم فليس يفضح عبده
عند التجاهر منه بالعصيان

لكنه يلقي عليه ستره
فهو الغفور وصاحب الغفران

نسأل اللهَ الكريمَ أن يعفو عنا ويغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا هو سبحانه وتعالى، العفو الغفور.


‘¹’ متفق عليه.
‘²’ المختصر في التفسير.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة