الذكر ليس عملًا يؤدى في أوقات الفراغ، بل هو حياة القلب، وسر بركة العمر، وعنوان صدق العبودية. وما أجمل أن يكون للمسلم ورد ثابت لا يتركه في يومه وليلته، يسير به إلى الله خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الذكر أنسًا لقلبه، لا عادةً على لسانه.
استقبل يومك بذكر الله قبل أن تستقبلك شواغل الدنيا، واحفظ أذكار الصباح؛ فإنها أول زاد القلب، وأول أسباب التوفيق في يومك.
واجعل للقرآن أوفر نصيب من وردك؛ فهو أعظم الذكر، وكلام رب العالمين، ونور البصائر، وشفاء الصدور. وليس الشأن في كثرة ما تقرأ، وإنما في دوام الصلة بكتاب الله مع التدبر والعمل.
وإذا فرغت من صلاتك، فلا تعجل إلى أمور الدنيا قبل أن تعمر تلك اللحظات بالأذكار المشروعة؛ فإنها من تمام الصلاة، ومن أسباب زيادة الإيمان وحفظ القلب.
وأحيِ لسانك خلال يومك بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكم من أوقات تضيع في انتظار أو سير أو فراغ، ولو عُمِرت بذكر الله لكانت كنوزًا من الحسنات، وسببًا في حياة القلب.
واجعل لكل حالٍ ذكره؛ فإذا رأيت نعمة فاحمد الله، وإذا أذنبت فاستغفره، وإذا نزل بك هم أو كرب فالجأ إليه بالدعاء، وإذا أقبلت على عمل فاستعن به، ليبقى قلبك موصولًا بربه في جميع شؤون حياته.
واختم يومك بأذكار المساء وما ورد عند النوم، فإن خير الأعمال ما ابتدأ بذكر الله وختم بذكره، وما كان بينهما عامرًا بطاعته.
وتذكر دائمًا أن المقصود من الورد ليس كثرة الكلمات، وإنما دوام الصلة بالله. فرب ذكر قليل خرج من قلب حاضر، كان أعظم بركة وأبقى أثرًا من كلام كثير غفل عنه صاحبه.
فالزم وردك، ولا تستقل القليل، ولا تؤخر الذكر إلى وقت الفراغ؛ فإن الفراغ قد لا يأتي، أما القلب فإنه لا يستغني عن ذكر ربه طرفة عين. ومن حافظ على ورده، ورعاه بالإخلاص والاتباع، وجد أثره في طمأنينة قلبه، وبركة وقته، واستقامة عمله، وثباته على الحق.
نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وأن يرزقنا لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، وأن يجعلنا من عباده الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره، إنه ولي ذلك والقادر عليه.










