حين يُتَّخذ القرآن ستارًا لترويج الباطل

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 27: حين يُتَّخذ القرآن ستارًا لترويج ما لم ينزل الله به سلطانًا.

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل كتابه هدى وشفاء ونورًا، لا كتاب ألغاز ورموز، ولا مرجعًا لتخمينات البشر ونظرياتهم. والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، فما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه.
إن من أخطر ما ابتُليت به الأمة في هذا الزمان أن يتصدر أقوام يتكلمون في دين الله بغير علم، فيخلطون الوحي بآرائهم، ويستعيرون ألفاظ القرآن والسنة لتسويق تقسيمات ومراحل وأحكام لم يعرفها رسول الله ﷺ، ولا أصحابه، ولا أئمة الإسلام. فيخرج الكلام في صورة شرعية مزخرفة، بينما حقيقته دعوى مجردة لا تقوم على برهان.

القرآن

هذا المنشور مثال واضح على هذا المسلك؛ فقد امتلأ بألفاظ من قبيل: “بقايا الإصابة”، و“تجدد الأذى”، و”المعالج يفرق بين الانتكاسة وتجدد الإصابة”، ثم زُين ذلك بآيات من القرآن وأحاديث من السنة حتى يُخيَّل للقارئ أن هذه التقسيمات جزء من الوحي، وأنها حقائق شرعية ثابتة، مع أنها لا وجود لها في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ، ولا في كلام الصحابة رضي الله عنهم. وهنا ينبغي الوقوف وقفة صدق مع قول الله تعالى:

﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: 36].

وقوله سبحانه:

﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن… وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33].

فأي علم يثبت أن هذا الذي عاد إليه الصداع أو الخوف أو الضيق إنما هو “بقايا إصابة”؟ وأي وحي دل على أن هذه الأعراض دليل على “تجدد الأذى”؟ وأين النص الذي جعل للراقي قدرة على التفريق بين هذه المراحل الخفية؟ إن هذه كلها دعاوى في باب الغيب، والغيب لا يثبت بالتجارب ولا بالظنون، وإنما يثبت بوحي من الله. فمن زعم أن هذه الأحكام من الدين، فقد طولب بالدليل، فإن عجز، وجب رد قوله، لأن الدين لا يبنى على الاحتمالات، وإنما يبنى على البينات.

لقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقرر قاعدة عظيمة، وهي أن كل من أثبت سببًا شرعيًا أو كونيًا لم يثبته الله ورسوله، فقد تكلم على الله بغير علم، وجعل من نفسه شريكًا في التشريع من حيث لا يشعر.
ولهذا كان يقول: “إثبات الأسباب ونفيها إنما يُعلم بالشرع أو بالحس الصحيح، فمن أثبت سببًا بلا دليل فقد قال على الله بغير علم.” ومن أعظم مظاهر التلبيس في هذا المنشور أنه يستشهد بآيات عظيمة في غير مواضعها، كقوله تعالى:

{ألا بذكر الله تطمئن القلوب}

وقوله: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾


وهذه الآيات حق لا مرية فيه، ولكنها لم تنزل لتقرر ما يسمى “بقايا الإصابة”، ولا لتثبت “تجدد الأذى”، ولا لتكون شاهدًا على تصنيفات المعالجين. فالاستدلال بالنص في غير معناه لون من ألوان تحريف الكلم عن مواضعه، وهو مسلك ذمه العلماء قديمًا، لأن القرآن يُفسَّر بما أراده الله ورسوله، لا بما يوافق نظريات الناس وتجاربهم.

والأشد خطرًا أن هذه الطروحات تجعل الناس أسرى لتفسير واحد لكل ما يمر بهم. فالخوف عندهم قد يكون إصابة، والإرهاق قد يكون انتكاسة، والنسيان قد يكون أثرًا للسحر، والضيق قد يكون تجددًا للأذى، حتى يعيش المسلم عمره يفتش في نفسه عن علامات المس والعين والسحر، وينسى أن المؤمن بشر، يمرض كما يمرض الناس، ويتعب كما يتعبون، ويحزن كما يحزنون.

وهذا مخالف لهدي النبي ﷺ، الذي لم يكن يربط كل ألم بالسحر، ولا كل وسواس بالجن، ولا كل فتور بإصابة خفية، بل أمر بالأخذ بالأسباب، والتداوي، والتوكل على الله، وربط القلوب بربها، لا بالأوهام والتخمينات.

إن الرقية الشرعية حق، والعين حق، والسحر حق، والمس حق في الجملة كما دلت عليه النصوص، ولكن إثبات أصل الشيء لا يبيح التوسع في تفاصيل لم ينزل الله بها سلطانًا. فالواجب أن نقف حيث وقف الوحي، فلا نزيد في الدين ما ليس منه، ولا ننقص منه ما هو ثابت فيه.
وما أكثر ما أفسدت هذه المصطلحات على الناس دينهم ونفوسهم؛ إذ جعلت بعضهم يعيش في دوامة لا تنتهي، ينتقل من راقٍ إلى آخر، ومن تشخيص إلى آخر، ومن برنامج تحصين إلى آخر، حتى يصبح أسيرًا للخوف، بينما المقصود من الرقية أن تقوي صلته بالله، لا أن تزيد تعلقه بالمعالج وتشخيصاته. ولو كان في هذه التقسيمات خير، لسبقنا إليها رسول الله ﷺ، وهو أرحم الناس بأمته، وأعلمهم بما يصلحها.
فكيف يخفى هذا العلم على خير القرون، ثم يظهر بعد أربعة عشر قرنًا على ألسنة بعض المعالجين؟

قال الإمام مالك رحمه الله: “من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة.” ثم تلا قوله تعالى:

﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة]


فالدين كامل، لا يحتاج إلى نظريات تُلصق به، ولا إلى مراحل تُخترع له، ولا إلى مصطلحات يُلبس بها الحق بالباطل.
فالواجب على المسلم أن يعظم الوحي، وأن يزن كل قول بميزان الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فما وافقهما قبله، وما خالفهما رده، ولو زخرف قائله كلامه بالآيات والأحاديث. فإن أعظم الفتن ليست أن يُهاجم القرآن صراحة، وإنما أن يُستعمل القرآن لتسويق ما ليس من القرآن، وأن تُستعار هيبة السنة لإثبات ما لم تأت به السنة.

نسأل الله أن يبصر المسلمين بالحق، وأن يرزقهم اتباع الكتاب والسنة، وأن يجنبهم القول عليه بغير علم، فإن من أعظم حقوق الله على عباده أن لا يُنسب إلى دينه إلا ما ثبت عن وحيه، ﴿ومن أصدق من الله قيلًا﴾.

للمزيد:
فتنةُ الشاشات… حين يختبرُ اللهُ السَّرائر
القرآن شفاء!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة