حين ينظر المتأمل في تاريخ الإنسان عبر الأمم والشرائع يجد أن معنى الستر والعفة لم يكن طارئًا على البشر، بل هو معنى راسخ في الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، وإن اختلفت صوره وتفاصيله من أمة إلى أخرى.
فالفطرة السليمة تميل إلى الحياء، وتأنف الابتذال، وتميل إلى صون الجسد عن أن يكون موضع نظرٍ أو فتنة. ولذلك كان الستر في أصل طبيعته أقرب إلى الإنسانية من التعري، وألصق بالوقار من التبرج. وقد جاءت الشرائع السابقة مقررةً لهذا المعنى؛ فكانت المرأة في كثير من الأمم تُعرف بالستر والوقار، وإن دخل على ذلك عبر الزمن تحريفات أو غلو أو جهل، لكن الأصل الذي لا يكاد يُمحى هو أن العفة قيمة مشتركة بين الرسالات، وأن حفظ المرأة وصونها كان مقصدًا متكررًا في توجيهات الأنبياء لأقوامهم.
وليس المقصود هنا التفصيل التاريخي، بقدر ما هو تقرير أصلٍ مهم: أن الشريعة الإسلامية لم تأتِ بمعنى الحجاب كشيء غريب على الفطرة، بل جاءت لتُعيده إلى صورته الصحيحة، وتُخرجه من إفراطٍ أو تفريط.
فكما أن الطعام والشراب ضرورة فطرية تهذّبها الشريعة، كذلك الحياء والستر أصل فطري، جاءت الشريعة لتُقوّمه وتضبطه، لا لتلغيه.
ومن تأمل حال الإنسان حين يبتعد عن الفطرة، رأى كيف يضطرب ميزان القيم عنده؛ فتُستحسن أمور هي في حقيقتها خروج عن السكينة، ويُستقبح ما هو في أصل الفطرة جمال ووقار. وهذا من أعظم ما يبين حاجة البشر إلى الوحي، ليعيد ضبط المفاهيم على نور الحق لا على تقلب الأهواء.
ومن هنا نفهم أن الحجاب في الإسلام ليس حكمًا منفصلًا عن سياق البشرية، بل هو امتداد لمعنى أصيل في خلق الإنسان، جاء الإسلام ليهديه إلى أكمل صوره، وأوضح حدوده، وأرفع مقاصده. فهو ليس مجرد لباس يُفرض، بل هو استجابة لفطرة سليمة، وتزكية لنفسٍ تميل إلى الطهر، وحماية لها من أن تُستدرج شيئًا فشيئًا إلى فقدان معاني الحياء.
وهكذا يتبين أن الحجاب ليس قيدًا مستحدثًا، بل هو عودة إلى الأصل، واستقامة على طريق الفطرة التي أرادها الله تبارك وتعالى لعباده، حين خلقهم على هيئة تميل إلى الطهر وتستريح في ظله.










