من أعظم خصائص الشريعة الإسلامية أنها لم تترك باب الذكر للأذواق والتجارب، ولا لما يستحسنه الناس بعقولهم، وإنما جعلته عبادةً محكومة بالوحي؛ لأن العبادات مبناها على الاتباع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا فإن سؤال: ما أفضل الذكر؟ لا يراد به البحث عن ذكر واحد يترك لأجله سائر الأذكار، وإنما المقصود معرفة مراتب الأذكار، حتى يضع المسلم كل ذكر في موضعه الذي شرعه الله.
وأفضل الذكر على الإطلاق هو القرآن الكريم؛ لأنه كلام الله تعالى، وهو الذكر الذي أنزله سبحانه هدايةً للعالمين، وجعل تلاوته عبادة، وتدبره نورًا، والعمل به سبيل الفلاح. فمن أكثر من تلاوة القرآن وتدبره فقد اشتغل بأشرف الذكر وأعظمه.
ثم تأتي الأذكار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالتهليل، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والاستغفار، والصلاة والسلام عليه، وسائر الأذكار المشروعة في اليوم والليلة، وفي الأحوال المختلفة؛ إذ لا أحد أعلم بالله، ولا أكمل عبوديةً منه صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة في ذكر ربه وعبادته.
وقد دلت السنة على فضائل متنوعة لأنواع متعددة من الذكر، وليس في ذلك تعارض؛ فلكل مقام ذكر يناسبه. فالاستغفار يشرع عند التقصير والذنب، والحمد عند تجدد النعم، والتسبيح عند تعظيم الله وتنزيهه، والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل القربات، ولكل عبادة موضعها الذي جاءت به السنة.
ومن كمال هذه الشريعة أنها جعلت بعض الأذكار مقيدة بعدد معين، فيلتزم المسلم ذلك العدد كما ورد، دون زيادة ولا نقصان؛ لأن الاتباع أكمل من الابتداع. أما ما أطلقه الشرع من الأذكار، فإنه يبقى على إطلاقه، فيشرع الإكثار منه من غير التزام عدد مخصوص، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا.
ومن هنا وقع الخطأ عند طوائف من الناس، فابتدع بعضهم أعدادًا لم يأت بها دليل، ورتبوا عليها فضائل مخصوصة، أو جعلوا لها آثارًا معينة في جلب الرزق، أو كشف الكرب، أو قضاء الحاجات، من غير برهان من كتاب أو سنة. وآخرون التزموا أورادًا محدثة، وزعموا أن لبعض الكلمات أسرارًا خفية، أو خصائص لا يدركها إلا الخاصة، أو أن تكرار اسم من أسماء الله بعدد معين يحدث أثرًا ذاتيًا في الكون أو النفس. وكل ذلك لا أصل له في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، بل الخير كل الخير في الوقوف عند حدود الوحي.

وزاد الأمر خطورة في زماننا مع انتشار الرسائل والمنشورات التي تنسب إلى الشرع ما ليس منه، فتحدد أعدادًا معينة للأذكار، وتعد أصحابها بفضائل لم تثبت، أو تربط الذكر بما يسمى بالطاقة، أو الأسرار العددية، أو علم الحروف، أو الأوفاق، أو الطلاسم، أو تستعين بالدجالين والعرافين ومدعي الولاية. وهذه المسالك كلها تخالف حقيقة الذكر المشروع، لأنها تنقل العبادة من الاتباع إلى الخرافة، ومن التوحيد إلى التعلق بالأوهام، وقد نهى الشرع عن كل سبيل يفضي إلى البدع أو يفتح باب الدجل والشعوذة.
إن الذكر في الإسلام عبادة ظاهرة وباطنة، قوامها الإخلاص لله، وصدق الافتقار إليه، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فلا يحتاج المسلم إلى أسرار مكتومة، ولا إلى أوراد مخترعة، ولا إلى وسطاء بينه وبين ربه، بل طريقه واضح بين، دل عليه القرآن، وبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل بلاغ.
ولهذا كان الميزان الذي يزن به المسلم كل ما يسمعه في باب الأذكار سؤالًا واحدًا: هل ثبت هذا عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فإن ثبت قبله مطمئنًا، وعمل به محبةً واتباعًا، وإن لم يثبت تركه، مهما كثر مروجوه، أو حسنت عباراته، أو نُسب إلى صالح أو شيخ؛ لأن العصمة للوحي وحده، لا لأحد من الناس.
ومن رحمة الله بعباده أن أبواب الذكر المشروع واسعة، تشمل جميع أحوال المسلم؛ في ذكره عند يقظته ومنامه، ودخوله وخروجه، وسفره وإقامته، وفرحه وحزنه، وصحته ومرضه، حتى يبقى قلبه موصولًا بربه في كل حين، من غير تكلف، ولا غلو، ولا ابتداع.










