تُعدّ ليلة القدر من أعظم ليالي العام، بل هي تاج ليالي الدنيا، اختصّها الله تعالى بفضلٍ عظيم ومكانةٍ سامية، وجعلها خيرًا من ألف شهر، رحمةً بعباده وفرصةً عظيمة لمغفرة الذنوب ورفعة الدرجات.
- مكانة ليلة القدر في القرآن الكريم:
أنزل الله تعالى في شأن هذه الليلة سورةً كاملة، دلالةً على عظيم قدرها، قال سبحانه:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) [القدر: ١-٥].
ومعنى ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: أي أن العمل الصالح فيها يفوق عمل ثلاثٍ وثمانين سنة، وهو فضلٌ لا يُقدّر بثمن، ومنحة إلهية لعباد الله الصالحين.
- سبب تسميتها بليلة القدر:
سُمّيت ليلة القدر بهذا الاسم لأسباب عديدة، منها:
• أن الله يقدّر فيها الأرزاق والآجال، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
• وقيل: لعِظَم قدرها وشرف مكانتها.
• وقيل: لأن الأرض تضيق بنزول الملائكة لكثرتهم. - نزول الملائكة:
من مظاهر عظمة هذه الليلة نزول الملائكة وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، قال تعالى:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٤-٥].
وهي ليلة سلامٍ وأمان، يفيض الله فيها رحمته وطمأنينته على عباده المؤمنين.
- فضل قيام ليلة القدر:
ورد في فضل قيامها حديثٌ عظيم عن النبي ﷺ، قال: “مَن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه”.’¹’
فهي فرصة لمغفرة الذنوب وتطهير القلوب، بشرط الإخلاص وصدق النية.
- موعد ليلة القدر:
أخفى الله تعالى موعدها لحكمةٍ عظيمة، حتى يجتهد المسلم في العبادة، وقد قال النبي ﷺ: “تحرّوا ليلةَ القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان”.’²’
وقد أخبر النبي ﷺ أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتار العشر أرجى من غيرها، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ أن هذه الليلة متنقلة في العشر، وليست في ليلة معينة منها دائمًا، فقد تكون في ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين وهي أحرى الليالي، وقد تكون في تسع وعشرين، وقد تكون في الأشفاع. فمن قام ليالي العشر كلها إيمانًا واحتسابًا أدرك هذه الليلة بلا شك، وفاز بما وعد اللهُ تعالى أهلَها.
وقد كان النبي ﷺ يخص هذه الليالي بمزيد اجتهاد لا يفعله في العشرين الأول. قالت عائشة رضي الله عنها: “كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها”. وقالت: “كان إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشدَّ المئزر”. وكان يعتكف فيها عليه الصلاة والسلام غالبًا، وقد قال الله جل جلاله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
- أفضل ما يُقال فيها:
سألت السيدة عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: يا رسول الله، أرأيت إن علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر، ما أقول فيها؟ فقال ﷺ: “قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني”.’³’
وكان أصحاب النبي ﷺ، وكان السلف بعدهم، يعظمون هذه العشر ويجتهدون فيها بأنواع الخير. فالمشروع للمسلمين في كل مكان أن يتأسوا بنبيهم ﷺ وبأصحابه الكرام وبسلف هذه الأمة الأخيار، فيحيوا هذه الليالي بالصلاة، وقراءة القرآن، وأنواع الذكر والعبادة، إيمانًا واحتسابًا، حتى يفوزوا بمغفرة الذنوب، وحط الأوزار، والعتق من النار، فضلًا منه سبحانه وجودًا وكرمًا.
إن ليلة القدر ليست مجرد ليلةٍ في الزمان، بل هي فرصة عمر، وباب مفتوح للرحمة والمغفرة والعتق من النار. فطوبى لمن أحياها بالصلاة والدعاء والذكر وصدق التوجه إلى الله، وخسر من مرّت عليه ولم يُغفر له.
نسأل الله أن يبلّغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه فيها، وأن يتقبّل منا صالح الأعمال.
‘¹’ متفق عليه.
‘²’ رواه البخاري.
‘³’ رواه الترمذي.
للإستزادة:
العشر الأواخر… سباقُ الخواتيم وليلة القدر
ليلة القدر










