أمر بالمعروف
الحسابات بين السر والعلن… أيّ وجهٍ يلقى الله؟
لم يعد الإنسان في هذا العصر يعيش عمرًا واحدًا، بل أصبح يعيش عمرين: عمرًا يمشي به على الأرض، وعمرًا آخر يتركه خلفه على الشاشات. كلماتٌ وصورٌ ومقاطع ومواقف، تتراكم يومًا بعد يوم، حتى تصير سجلًا ناطقًا يشهد له أو عليه.
والمؤلم أن كثيرًا من الناس باتوا يخشون انكشاف حقيقتهم أمام الخلق أكثر من خشيتهم من اطلاع الله تبارك وتعالى عليهم! فإذا خلا أحدهم بمحارم الله انتهكها، وإذا وقف أمام الناس تجمل وتزين وأحسن العرض والإخراج، وكأن المشكلة ليست في الذنب نفسه، بل في أن يراه الناس!
لقد خلق الله تبارك وتعالى العبدَ ليكون صادقًا معه قبل أن يكون مقبولًا عند الناس، وجعل أعظم مقامات الدين مقام الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فالمؤمن لا يسأل: ماذا سيقول المتابعون؟ بل يسأل: ماذا يرى الله سبحانه وتعالى مني الآن؟
وما وسائل التواصل اليوم إلا صورة مكبرة لحقيقة القلوب؛ فمن امتلأ قلبه بتعظيم الله جعل حسابه بابًا للخير، ومن امتلأ قلبه بحب الظهور والتصدر جعل حسابه مرآةً لنفسه وهواه. ولذلك لم تعد القضية مجرد منشورات وصور، بل قضية عبودية وصدق وإخلاص ومراقبة لله تبارك وتعالى.
ومِن أخطر ما ابتُلِي به الناس أن أصبح الفسق يُقدَّم في ثيابٍ جديدة، ويُسوَّق بأسماء براقة، ويُزيَّن تحت شعارات الحرية والتعبير عن الذات وصناعة المحتوى، بل ربما رأيت من ينتسب إلى التدين والالتزام، ثم يفتح على الناس أبوابًا من الفتن؛ فتجد المظهر يدعو إلى الاحتشام، بينما المحتوى يدعو إلى التعلق بالأشخاص، وتتبع الخصوصيات، وإثارة الإعجاب، ولفت الأنظار، وجمع المتابعين بأي وسيلة.
وهنا يجب أن تُقال كلمة الحق بوضوح: إن الحجاب عبادة، والنقاب عبادة، لكنهما ليسا حصانةً من الخطأ، ولا صكًّا للاستقامة. فكما أن السفور معصية، فإن تحويل التدين إلى وسيلة للشهرة والظهور آفة أخرى خطيرة على القلب. وقد كان السلف يخفون أعمالهم الصالحة كما يخفي الناس اليوم أموالهم النفيسة؛ خوفًا من فساد النية وضياع الإخلاص.
إن الحسابات ليست مجرد أدوات تواصل، بل منابر دعوة أو منابر فتنة. وكل متابع يقتدي، وكل معصية تُنشر، وكل شبهة تُبث، وكل شهوة تُزين، فإن لصاحبها نصيبًا من أوزار من تأثر بها. ورب كلمة كتبها صاحبها في دقائق، هوت به أو بغيره سنوات طويلة.
ولهذا فإن الأمر بالمعروف في زمننا لم يعد مقصورًا على المساجد والمجالس، بل صار يبدأ من الهاتف الذي في يدك. فما الذي تدعو إليه؟ وما الذي تنشره؟ وما الصورة التي تقدمها عن دين الله؟ وإذا عُرض حسابك يوم القيامة أمام الخلائق أتراك ستسر بما فيه أم ستخجل منه؟
إن المؤمن لا يبحث عن حسابٍ يعجبه الناس، بل عن صحيفةٍ ترضيه عند الله. ولا يحرص على كثرة المتابعين، بل على سلامة قلبه. ولا ينشغل بصناعة صورة جميلة لنفسه أمام الخلق، بل بإصلاح حقيقته بينه وبين ربه سبحانه وتعالى.
والآن وقد أقبل علينا عام جديد، راجع حسابك قبل أن تراجع خططك، وفتش في منشوراتك قبل أن تفتش في ذكرياتك، واسأل نفسك سؤالًا واحدًا: لو كان هذا الحساب آخر ما أتركه بعد موتي، فهل أرضى أن ألقى الله تبارك وتعالى به؟
فإن أعظم النجاح ليس أن يعرفك الناس، بل أن يعرف الله منك الصدق. وأعظم الخسارة ليست أن تسقط من أعين الخلق، بل أن تسقط من عين ربك وأنت لا تشعر.
للإستزادة:
كيف نوفّق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الجدال والمراء؟
التطبيع مع المنكر










