سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج3: القرآن ليس حقلًا للتجارب الفكرية
الحمد لله الذي أنزل كتابه هدىً ونورًا وبيانًا، وجعله تبيانًا لكل شيء، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ الذي بلّغ القرآن وبيّن معانيه، وعلى آله وصحبه الذين تلقّوه بالإيمان والفهم والعمل.

أما بعد…
فإن من أعظم أبواب الانحراف في هذا العصر تحويل القرآن الكريم من كتاب هداية وتشريع إلى ساحةٍ للتأويلات الشخصية، والإلهامات الباطنية، والفلسفات الدخيلة، حتى أصبح بعض الناس يفسر كلام الله بخواطره، أو بما يسمى “الوعي الكوني”، أو “الطاقة”، أو “الأسرار الروحية”، أو غير ذلك من المصطلحات التي لا أصل لها في الوحي.
والقرآن ليس كتاب ألغاز ورموز مفتوحة لكل أحد، ولا نصًا يحتمل ما تشتهيه النفوس، وإنما هو وحيٌ من عند الله، نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وبيَّن الله معانيه على لسان رسوله ﷺ، ثم تلقاه الصحابة رضي الله عنهم، ونقله علماء الأمة بالأسانيد والفهم الصحيح. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. فبيان القرآن مردُّه إلى رسول الله ﷺ، لا إلى الأذواق، ولا إلى الخواطر، ولا إلى الإلهامات المزعومة. وقد حذر الله من القول عليه بغير علم، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ… وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. فكل من نسب إلى القرآن معنى لا يدل عليه لسان العرب، ولا فسره به النبي ﷺ، ولا عرفه السلف، فقد تكلّم على الله بغير علم، وهذا من أعظم المحرمات.
وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
“التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، ووجه لا يُعذر أحد بجهالته، ووجه يعلمه العلماء، ووجه لا يعلمه إلا الله.”
فليس لكل أحد أن يخوض في تفسير القرآن بمجرد ما يخطر في قلبه. ومن أخطر ما شاع اليوم أن تُنزَّل الآيات على نظريات “الطاقة”، أو “الذبذبات”، أو “الأنوثة الكونية”، أو “الأسرار الخفية”، ثم يقال: هذا من التدبر. وهذا تلبيس؛ لأن التدبر المشروع هو التفكر في هدايات القرآن والعمل بها، لا اختراع معانٍ جديدة لم يدل عليها النص. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. فالتدبر يكون في ضوء التفسير الصحيح، لا خارجًا عنه، وإلا انقلب إلى تحريف لمعاني القرآن.
ولهذا كان السلف يعظمون القول في تفسير كتاب الله، ويهابون أن يقولوا فيه بغير علم، لأن الكلام في القرآن ليس كالكلام في سائر الكتب، بل هو كلام رب العالمين.
الخاتمة
إن تعظيم القرآن يكون باتباعه، وفهمه كما فهمه رسول الله ﷺ وأصحابه، لا بإخضاعه للنظريات الفلسفية، ولا للمصطلحات الروحية المستوردة، ولا للإلهامات الشخصية. فالقرآن محفوظ لفظًا ومعنى، وقد أقام الله له رجالًا يذبون عن تفسيره الصحيح، فلا يجوز أن يُجعل مطيةً لكل فكرة طارئة، أو وسيلةً لترويج الباطنية باسم “التدبر”، أو التحريف باسم “الإلهام”.
ومن تجاوز حدود الوحي في تفسير القرآن، فتح بابًا لا ينغلق؛ إذ يصبح كل إنسان يفسر كلام الله بحسب هواه، فيضيع الميزان، وتختلط الهداية بالضلال.
ولهذا كان منهج أهل السنة قائمًا على أصل عظيم:
أن تفسير القرآن يُؤخذ من القرآن، ثم من سنة النبي ﷺ، ثم من فهم الصحابة رضي الله عنهم، ثم مما دل عليه لسان العرب الصحيح، وما سوى ذلك يُعرض على هذا الميزان، فما وافقه قُبل، وما خالفه رُدَّ، حفظًا لكتاب الله من التحريف، وصيانةً لعقائد المسلمين من الأهواء والبدع.










