الغفور الودود

|

الغفور الودود
كلما قرأتُ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، توقفتُ طويلًا عندَ هذا الربطِ العجيبِ بينَ المغفرةِ والودِّ.

وكانَ ممّا هداني ربي أنَّ في هذا الربطِ إشارةً لطيفةً؛ فاللهُ سبحانهُ لا يُخبرنا أنَّهُ يغفرُ الذنبَ فحسبُ، بل يفتحُ لعبادِهِ بابَ الرجاءِ في أنَّ مغفرتَهُ يعقبُها ودٌّ وإكرامٌ، وأنَّ التوبةَ ليستْ نهايةَ الطريقِ، بل قد تكونُ بدايةَ أبوابٍ من فضلِهِ لم تكنْ تخطرُ على بالٍ.

وهذا ما فقهَهُ الأنبياءُ -عليهمُ الصلاةُ والسلامُ- عن ربِّهم.

  • فهذا سليمانُ عليهِ السلامُ يبدأُ دعاءَهُ بقولِهِ:
    ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
    جمعَ سليمانُ عليه السلام في دعائِهِ بينَ طلبِ المغفرةِ وطلبِ أعظمِ الهباتِ، لعلمِهِ أنَّ الذي يغفرُ هوَ نفسُهُ الذي يهبُ، وأنَّ خزائنَ اللهِ لا تنفدُ، وأنَّ التائبَ لا يمنعُهُ حياؤُهُ من سؤالِ ربِّهِ أعظمَ عطايَاهُ.

فكانتِ الإجابةُ أعظمَ ممّا سألَ، فقالَ سبحانهُ:
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ۝ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ۝ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ۝ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
تأملْ هذا الكرمَ… بدأَ الدعاءُ بالمغفرةِ، وأعقبَهُ عطاءٌ لا حسابَ لهُ.

والمعنى نفسُهُ يظهرُ في قصةِ

  • موسى عليهِ السلام.
    بعدَ أن خرجَ من مصرَ خائفًا بسببِ قتلِهِ القبطيَّ، قالَ:
    ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

ثمَّ مضتِ الأيامُ، فإذا باللهِ يهيِّئُ لهُ المأوى، والعملَ، والزوجةَ، ثمَّ يكرمُهُ بالنبوةِ والرسالةِ.
وحينَ واجهَ فرعونَ موسى عليهِ السلام، ذكَّرَهُ بتلكَ الحادثةِ القديمةِ قائلًا:
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

فأجابَهُ موسى عليهِ السلامُ:
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ۝ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
اللهُ سبحانهُ لم يمنعْ موسى فضلَهُ بعدَ توبتِهِ، بل غفرَ لهُ، ثمَّ أكرمَهُ بالحكمِ والنبوةِ والرسالةِ.

غفور

وكأنَّ القرآنَ يعلِّمُنا أنَّ المغفرةَ ليستْ نهايةَ الطريقِ، بل بدايتُهُ، وأنَّ اللهَ إذا تابَ على عبدِهِ، فتحَ لهُ من أبوابِ فضلِهِ ما لم يكنْ يخطرُ لهُ على بالٍ.

ولذلكَ لم يكنِ الاستغفارُ في القرآنِ سببًا لمحوِ الذنبِ فحسبُ، بل جعلَهُ اللهُ سببًا لنزولِ البركاتِ، وسعةِ الأرزاقِ، وزيادةِ القوةِ.

  • قالَ نوحٌ عليهِ السلامُ:
    ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾.
  • وقالَ هودٌ عليهِ السلامُ:
    ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.

عندَها تُدركُ معنى حسنِ الظنِّ باللهِ، وتستشعرُ شيئًا من معنى اسمِهِ الودود؛ فهوَ لا يمحو الذنبَ فحسبُ، بل يكرمُ التائبَ، ويقرِّبُهُ، ويفتحُ لهُ من فضلِهِ، ويبدِّلُ خوفَهُ أمنًا، وضعفَهُ قوةً، وفقرَهُ غنًى، ووحدتَهُ أُنسًا.

وتتأملُ فرحةَ اللهِ بتوبةِ عبدِهِ، وتفهمُ معنى الحديثِ القدسيِّ: «إذا تقرَّبَ عبدي منِّي شبرًا، تقرَّبتُ منهُ ذراعًا، وإذا تقرَّبَ منِّي ذراعًا، تقرَّبتُ منهُ باعًا -أو بوعًا-، وإذا أتاني يمشي، أتيتُهُ هرولةً».

فإذا أذنبتَ يومًا، فلا تيأسْ، بل أقبلْ على ربِّكَ، واسألْهُ المغفرةَ، وأحسنِ الظنَّ بهِ، وسلْهُ من فضلِهِ؛ فإنَّ ربَّكَ غفور ودود، وإذا فتحَ لكَ بابَ المغفرةِ، فارجُ أن يفتحَ معهُ أبوابًا من فضلِهِ وكرمِهِ، فإنَّ خزائنَهُ لا تنفدُ، وفضلَهُ لا يحدُّهُ حدٌّ.

للمزيد:
﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ﴾
﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة