حدود الله… كيف هانت على القلوب؟!

|

بينما كنا نتجاذب أطراف الحديث حول التشريعات الشرعية، وما يثار من جدلٍ بشأن أوامر الله ونواهيه، سألتْ إحدى الأخوات سؤالًا استوقفني طويلًا، فقالت:
«لماذا إذا جاء التحريم من الله ورسوله ﷺ تعنَّتنا، وجادلنا، وبحثنا عن المبررات، بينما إذا جاءت الدراسات الغربية لتؤكد الضرر نفسه، أو أثبت العلم آثاره، تقبلنا الأمر بصدرٍ رحب، وآمنا به دون تردد؟»

سؤالٌ يستحق الوقوف عنده.
فقلت لها: «إننا اليوم نفتقد حقيقة الانقياد لأوامر الله ونواهيه، حتى إذا غابت عنّا الحكمة من الأمر أو النهي ضعف فينا الصدق مع الله، وضعف معه مقام الإيمان والتسليم، فلم نعد نجلس لنتدبر حكم التشريع ومقاصده، ونتأمل رحمته وعدله!
وحين يدرس غير المسلمين آثار بعض المحرمات، ويعايشون نتائجها، ثم يكشفون بالأبحاث والدراسات ما يترتب عليها من أضرار، يسارع كثيرٌ منا إلى الاقتناع والتطبيق، وكأن الوحي وحده لم يكن كافيًا!
ولو أنَّنا تأملنا كل ما أمر اللّه به ورسوله (ﷺ)، صغيرًا كان أو كبيرًا، في العبادات والأخلاق والمعاملات، لاكتشفنا من الحكم والمنافع ما يملأ القلب يقينًا، ويزيده تعظيمًا لشرع الله.

فالعبادات ليست مجرد تكاليف فُرضت علينا، وإنما تعود آثارها وخيراتها علينا في ديننا ودنيانا، وفي قلوبنا وأرواحنا وأجسادنا».

تأملوا مثلًا التّبسم والبشاشة في وجه المسلم، لو بحث الإنسان في آثارهما النفسية والصحية، لوجد أن أول المستفيدين منهما هو المبتسم -نفسه-. وكذلك السواك، والوضوء، وإفشاء السلام، والمصافحة، وسائر الآداب النبوية؛ كلها تحمل منافع عظيمة، قد ندرك بعضها، ويخفى علينا كثير منها.

ثم انظروا إلى أعظم العبادات؛ كيف تزكي النفس، وتطمئن القلب، وتقوي الروح، وتبني شخصية الإنسان بناءً متوازنًا.

الله

وفي المقابل، تأملوا آثار الغضب، والشحناء، والحسد، والحقد، ثم انظروا إلى آثار الكبائر والمحرمات؛ كالخمر، والزنا، والتبرج، والاختلاط المحرم، والغناء، وغيرها، وما تجره من مفاسد وآثار مدمرة على الفرد والمجتمع، فإن المعاصي لا تخلو من مفاسد، يظهر بعضها ويخفى بعضها، وقد تكشف التجربة أو الدراسات شيئًا من آثارها، لكن ذلك ليس هو سبب تحريمها، وإنما حُرمت لأن الله سبحانه حرمها، فإذا ظهرت بعض حكمها، لم يزد المؤمن إلا إيمانًا وتسليمًا، ولهذا فإن معرفة الحكمة نعمة، لكنها ليست شرطًا للطاعة، كما أن الجهل بها ليس عذرًا في ترك الامتثال.

إن لذة المعرفة، والبحث، والتدبر، والتمعن في آلاء الله، وفي أوامره ونواهيه، لذة عظيمة، وثَراءٌ فكري وإيماني لا يضاهيه شيء، وكلما ازداد العبد تدبرًا، ازداد يقينًا بأن هذا الدين كله رحمة، وأن أوامر الله كلها خير، ونواهيه كلها حماية لعباده،
لكن هذا لا يعني أن معرفتنا بالحكمة شرطٌ للامتثال، أو أن إدراك العلة هو الذي يدفعنا إلى الطاعة أو يردعنا عن المعصية.

بل الأصل في المؤمن:
﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾.
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٨٥].

فإن انكشفت له الحكمة بعد ذلك، ازداد إيمانًا على إيمانه، وإن خفيت عنه، بقي مطمئن القلب، عالمًا أن شرع الله كله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة، وإن قصرت العقول عن إدراك بعض ذلك.

أما أن يعلم الإنسان أن الله حرَّم شيئًا، ثم يجعل همه الجدل، والبحث عن المخارج، وتحليل ما حرمه الله، فذلك ليس مجرد معصية، بل هو ذنب آخر، واعتداء -على حدود الله-.

وقد يعصي المؤمن، وقد تزل قدمه، فهذا باب التوبة مفتوح له، وهو يعلم أنه مذنب، أما أن ينازع أمر الله، أو يجادل في حكمه، أو يحاول إسقاط حرمته، فذلك شأن آخر، والعياذ بالله.

ولهذا كلما قرأت قول الله تعالى:
{ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٨٧].

أشعر بخوفٍ وهيبةٍ تعمران القلب.
أتساءل دائمًا: «كيف يبلغ بالإنسان أن يتجاوز حدود الله؟»

نحن في تعاملاتنا مع البشر، وهم أمثالنا، نحرص على ألا نتعدى حدودهم؛ احترامًا لهم، ومروءةً، وخوفًا من الله، فكيف يهون على بعضنا أن يتجاوز حدود رب العالمين؟!

لقد أصبحت هذه الآية في الآونة الأخيرة حاضرةً أمام عيني، يرافقني سؤالها في كل حين: «كيف تجاوزنا حدود الله؟ وكيف استهانت القلوب بما عظَّمه الله؟»

والله، لولا رحمته وستره وحلمه، لهلكنا جميعًا.

قال الله تعالى:

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ }
[سُورَةُ الأَحْزَابِ: ٣٦]

فالعبد الصادق يعلم أن الأصل هو السمع والطاعة لله ورسوله (ﷺ)، لا أن يعلِّق امتثاله على اقتناعه، ولا أن يربط طاعته بإدراكه للحكمة.

نسأل الله قلوبًا تعظِّم حدوده، ونفوسًا ترضى بحكمه، وإيمانًا يورثنا التسليم والانقياد، وأن يجعلنا ممن إذا سمعوا أمره قالوا: «سمعنا وأطعنا».

والله المستعان.

للمزيد:
لتَكُن وقافا عند حدود الله
حملة تعظيم الربّ والدّين

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة