سلسلة تعاملات النبي ﷺ مع أهله من كتاب “كيف عاملهم ﷺ” ج 10: مضاحكة وملاطفة النبيﷺ لزوجاته
عن عائشة رضي عنها قالت: قدم رسول الله من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: «ما هذا يا عائشة؟»، قالت: بناتي، ورأى بينهنَّ فرساً له جناحان من رقاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهنَّ؟»، قالت: فرس، قال: «وما هذا الذي عليه؟»، قالت: جناحان، قال: «فرس له جناحان!»، قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟، فضحك حتى رأيتُ نواجذه». فكم أدخلت تلك الضحكة منه صلى الله عليه وسلم من السرور على قلب زوجته، وكم كان لتلك المداعبة من الأثر الحسن على مشاعرها. بل إنه صلى الله عليه وسلم حث الأزواج على هذا الأمر؛ لأنه يستدعي الوئام ويجلب المسرة إلى القلوب؛ فقال الجابر بن عبد الله لما تزوج: «هلا جاربةً تلاعبها وتلاعبك، أو تضاحكها وتضاحكك». وقال: «كلُّ شيءٍ ليس من ذكر الله عزول فهو لهو، إلا أربع خصال: مشي الرّجل بينَ الغرضين [ الغرض: هو ما يقصده الرماة بالإصابة]، وتأديبه فرسه، وملاعبة أهله، وتعلم السباحة ».
فالملاعبة، والمضاحكة بين الزوجين تملأ القلوب مسرةً، والبيت أنساً ومحبةً؛ فتقوى الرابطة الزوجية، وتتعمق الألفة والمودة، والمحبة بين الزوجين. «فالمداعبة والمزح، والملاعبة هي التي تطيب قلوب النساء» . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه – مع شدّته وصلابته – يقول: «ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي، فإذا التمس ما عنده وجد رجلاً».
وقال ثابتُ بن عبيد: «كان زيدُ بنُ ثابتٍ من أفكه الناس في بيته، فإذا خرج كان رجلاً من الرجال».
ووصفت أعرابيةٌ زوجها وقد مات فقالت: «والله لقد كانَ ضحوكاً إذا ولجّ؛ سكيتًا إذا خرج؛ آكلاً ما وجد غيرُ سائل عما فقدّ”.
وكثيرٌ من الناس يضحك ويبتسم في وجوه أصحابه وزملائه فإذا ما دخل البيت اختفت تلك الابتسامات؛ ليصبح عابس الوجه مقطباً جبينهُ
ولا يقتصر الأمر على المضاحكة: بل كان يسابق زوجته في الجري:
عَن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جاريةٌ لم أحمل اللحم، ولم أبْدن، فقال للنّاس: “تقدّموا”، فتقدموا، ثم قال لي: «تعالي؛حتى أسابقك» فسابقته، فسبقته، فسكت عنْي حتّى إذا حملت اللحمّ وبدنتُ، ونسيتُ، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال : «تعالي حتّى أسابقكِ»» فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وهو يقول: “هذه بتلك”.
والمعنى: تقدمي عليكِ في هذه النوبة في مقابلةِ تقدمك عليَّ في النوبة الأولى.
فالنبيٌ الكريمٌ صلى الله عليه وسلم مع مشاغله الكثيرة، يراعي حاجةَ الزوجةِ إلى الترفيه، ويفعلُ هذا الأمرِ الذي يأنف بعضنا اليومَ من فعله، حتى ولو كان خالياً في البر!
بل قد يتحرّجُ البعضُ من المشي مع زوجته فضلاً عن مسابقتها.
وكانَ إذا صحبَ أهله معه في السفر سامرَهُنَّ، وتبادل معهنّ أطراف الحديث:
عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج؛ أقرع بين نسائه فطارت القرعةُ على عائشة وحفصة، فخرجتا معه جميعاً وكانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان باللَيلِ سارَ مع عائشةَ يتحدث معها، فقالت حفصة لعائشة : ألا تركبين الليلةَ بعيري، وأركب بعيرك فتنظرين وأنظرُ ؟ قالت: بلى، فركبت عائشة على بعير حفصة، وركبت حفصة على بعير عائشة، فجاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة ، فسلّمَ ثمَّ سار معها حتى نزلوا، فافتقدته عائشة، فغارت، فلما نزلوا؛ جعلت تجعل رجلها بين الإذخر، وتقول: يا ربِّ سلّط علي عقرباً أو حيّةً تلدغني، رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئاً .
وهذا الذي فعلته وقالته حملها عليه فرط الغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الغيرة معفوٌّ عنه.
ومن كمال شفقته على أهله في السفر أنه كان يوصي الحادي أن يخفّف رفقاً بهنَّ. عن أنس بن مالك رضي عنه قال :
كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وغلامٌ أسودُ يقال له أنجشة يحدو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنجشة، رويدكَ سَوْقاً بالقوارير».
«سوقاً» أي: ارفق في سوقك بالقوارير، يعني ضعفة النساء.
قال العلماء : سمي النّساء قوارير؛ لضعف عزائمهنَّ تشبيهاً بقارورة الزجاج لضعفها، وإسراع الانكسار إليها.
والمراد به: الرفق في السير؛ لأنَّ الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واستلذته، فأزعجت الراكب، فنهاه عن ذلك؛ لأنَّ النّساء يضعفنَ عند شدة الحركة، ويخافُ ضررهنَّ وسقوطهن.

وكان النبي ﷺ يقر المزاح بين نسائه، ويتبسم لذلك:
قالت عائشة رضي الله عنها : زارتنـا سـودة يوماً، فجلس رسول الله ﷺ بيني وبينها، إحدى رجليه في حجري، والأخرى في حجرها، فعملتُ لها حريرة [حساء مطبوخ من الدقيق والدسم والماء ]، فقلتُ : كلي، فأبت، فقلتُ : والله لتأكلـنَّ، أو لألطَحْنَّ وجهكِ، فأبت، فأخذتُ منَ القصعة شيئاً، فلطَّخت به وجهها، فضحك النبي ﷺ، فوضع فخذه لها، وقال لسودة: الطخي وجهها، فلطخت وجهي، فضحك النبي ﷺ أيضاً، فإذا عمرُ يقولُ : يا عبد الله بن عمر، يا عبد الله بن عمر ، فقال لنا رسول الله ﷺ: «قوما فاغسلاً وجوهكما؛ فلا أحسبُ عمر إلا داخلاً».
ولو حدث مثل هذا في هذا الزمان من امرأتين وزوجها جالس بينهما؛ فربما طلقها جهلاً منه بهدي النبي ﷺ في معاملة زوجاته، حيثُ كان يداعبهنَّ ويضاحكهنَّ.
وفي هذا الحديث : تفاعل النبي ﷺ مع جو المرح، وعدل النبي ﷺ في المرح والمباسطة. فمع أنه يحبُّ عائشة أكثر من غيرها، لم يجعله ذلك يميل إليها في الظاهر، بل ساعد زوجته الأخرى سودة لتلطخ وجه عائشة بالطعام، وحصل ما أراده النبي ، وساد المجلس جو من المرح والضحك والسرور.
ومن ملاطفته وفكاهه صلى الله عليه وسلم مع زوجاته:
حديث كلثوم بن المصطلـق قـال : كانت زينب تـفـلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنده امرأة عثمان بن مظعون ونساء من المهاجرات، وهنَّ يشتكين منازلهن أنهن يخرجن منها، ويضيق عليهنَّ فيها، فتكلمت زينب، وتركت رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّك لست تكلمين بعينيكِ، تكلّمي، واعملي عملك، فأمرَ رسولُ الله يومئذ أن يورّثَ من المهاجرين النساءُ )).
وفي هذا حسن ممازحته لزوجته.
وكان يستمع لفكاهة وطرائف زوجاته
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً، وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها، في أيّها كنتَ ترتع بعيرك؟ قالَ: «في الذي لم يرتع منها». تعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها.
ومن الأمثلة على الدعابة اللطيفة:
عن عائشة رضي الله عنها قالت : رجع إلى رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقولُ : وا رأساه، قال: بل أنا وا رأساه! ما ضرك لو مت قبلي، فغسلتكِ، وكفنتكِ، ثمَّ صلّيتُ عليكِ، ودفنتك؟»، قلتُ: لكأني بك والله لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي، فأعرستَ فيه ببعض نسائك، فتبسّم رسول الله ﷺ، ثمَّ بدى بوجعِهِ الذي مات فيه.
وبلطفه يرعى مشاعرها
في كـل نـائـبـة يواسيهامتجملاً من أجلها عطراً
إنَّ الذي يرضيه يرضيهاوعلى الذي هويت يتابعها
فيما يحل لها، ويعطيهاوعلى جلالته يسابقها
وإذا تجاريه يجاريهاإنَّ السماحة في شريعته
والبر أصـــلٌ كـامـن فيها










