من أعظم ما ينبغي أن يخافه المؤمنُ أن يلقى اللهَ وفي ذمّتِه حقٌّ لأحد؛ فحقوق العباد ليست أمرًا هيّنًا، ولا تُقاسُ بصِغَرِ ما أُخذ، وإنما بعِظَمِ حُرمةِ صاحبِ الحق.
قد تكونُ الأمانةُ شيئًا لا يكادُ يُرى: قطعةَ حلوى ليست لك، قلمًا أخذتَه بغير إذن، ورقةً من مكان العمل، أداةً استعملتَها لحاجتك، مالًا ليس من حقك، أو حتى وقتًا اؤتمنتَ عليه ففرّطتَ فيه.
وقد يقولُ الإنسان: «إنها أشياءُ صغيرة، ولن يسألني الله عنها»، لكنّ المؤمنَ يتذكّر قولَ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
فاللهُ سبحانه وتعالى يراك حين تأخذ، ويراك حين تردّ، ويعلمُ ما استصغرتَه أنتَ ولم تستصغرْه الشريعةُ.
وتأمّلوا كيف علّمنا النبي ﷺ أن حقوقَ العباد أمرٌ عظيم؛ فقالﷺ: «مَن كانَت له مَظلِمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شيءٍ فليَتَحَلَّلْه منه اليَومَ، قَبلَ أن لا يَكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظلِمَتِه، وإن لَم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِلَ عليه».

فيا ليتنا نُراجعُ ذِمَمَنا قبل أن يأتي يومٌ لا ينفعُ فيه الندم، ولا تُقضى الحقوقُ بالمال؛ وإنما بالحسنات والسيئات.
فلنكن أهلَ أمانةٍ حتى في الأشياء التي لا يلتفتُ إليها أحد، ولنتورّعْ عن كل ما ليس لنا، ولنستأذنْ قبل أن نأخذ، ولنردّ ما استعرناه، ولنؤدِّ ما اؤتُمِنّا عليه، ولنجتهدْ أن نلقى اللهَ تبارك وتعالى وليس في ذممنا مظلمةٌ لعبدٍ من عباده.
فالمؤمنُ لا يقول: «مَن سيعلم؟»؛ بل يقول: «إنّ الله سبحانه وتعالى يعلم».
ولا يقول: «إنها صغيرة»؛ بل يقول: «وربّي لا يضيع عنده شيء».
وما أجملَ أن يلقى العبدُ ربَّه خفيفَ الذمّة، نقيَّ اليد، سليمَ الصدر، لم يأخذْ حقًّا، ولم يظلمْ عبدًا، ولم يستحلَّ أمانةً بحجّة أنّها شيءٌ يسير.
راقبوا اللهَ في حقوق الناس؛ فإنّ الأمانةَ لا تبدأ من الأشياء الكبيرة، وإنما تبدأ من تلك التفاصيل الصغيرة التي يظنّها الناسُ لا تُرى… وهي عند الله تُرى وتُكتب.










