رغم أنَّ الثقافةَ الغرب، كفلسفةٍ وفكرة، قد جردتِ الإنسان من رُوحِهِ، وانحدرت بقيمتِهِ حين جعلتهُ أسيرًا لغرائزِه ومادةً للاستهلاك؛ إلا أنها كممارسةٍ واقعيةٍ في أروقةِ المستشفياتِ وردهاتِ المدارس، تبدي احترامًا فائقًا للإنسانِ واستقلاليتِه وجسدِه. وفي المقابل، نجدُ ثقافتَنا العربيةَ التي يُفترضُ أصلاً أنها تنظرُ للإنسانِ ككائنٍ مكرّمٍ من الله، تتسمُ بجفاءِ الأسلوب، وتفتقرُ لتطبيقِ هذه النظرةِ على أرضِ الواقع؛ وثمّةَ فجوةٌ سحيقةٌ بين ما نعتنقهُ من قِيَم، وما نمارسهُ من فظاظة.
استوقفني مقطعُ فيديو عاديٌّ لتطعيمِ أطفالٍ في الغرب؛ تسألُ الممرضةُ الطفلةَ بذكاءٍ: “أتريدينَ الحقنةَ في الذراعِ اليمنى أم اليسرى؟”. ورغم أنَّ النتيجةَ واحدة، إلا أنَّ الممرضةَ منحتِ الطفلةَ حقَّ القرار تخفيفًا من توترِها، ومراعاةً لمشاعرِها الصغيرة. وإذا ما قارنّا هذا بما يحدثُ في دولِنا العربية، فسنرى الفرقَ جليًا، حيثُ يُسحبُ الطفلُ كأنهُ طريدة، ويُقيّد، هذا إذا لم يُضربْ ليصمت! ولا أقولُ إنَّ هذا هو السائدُ دوماً، فقد يختلفُ الحالُ بوعيِ الأهلِ أو هدوءِ المشفى، لكنني أعنيهِ كممارسةٍ شائعة.
خذوا على سبيلِ المثالِ أيضاً مسألةَ العُري؛ لا يراهُ الغربُ حرجًا اجتماعيًا أو عارًا في حياتِهم اليومية، لكنهم في المستشفياتِ يتعاملونَ مع جسدِ الإنسانِ بقدسيةٍ وبروتوكولاتٍ صارمةٍ تحفظُ سترَهُ؛ ليس حياءً بالمعنى الديني، بل بوصفِهِ حقَّ ملكيةٍ يحفظُ كرامةَ الكائن. أما عندنا، فرغم أنَّ العورةَ مصطلحٌ دينيٌّ وقانونيٌّ ثقيل، إلا أنَّ المريضَ في المستشفياتِ العامةِ يُعاملُ أحياناً كمشاع؛ يُكشفُ عنه أمامَ الغرباءِ بحجةِ السرعةِ أو ضغطِ العمل، فتضيعُ كرامةُ الجسدِ في زحامِ الإهمال. نحنُ نملكُ القيمة لكننا نفتقدُ النظام الذي يحميها.
يقولُ الله تعالى في كتابِهِ الحكيم: ﴿وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ﴾، وهتفَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه: (متى استعبدتمُ الناسَ وقد ولدتهم أمهاتُهم أحراراً؟) لكنْ دعونا نرقبُ الممارسةَ في بعضِ مدارسِنا؛ يُهدمُ كبرياءُ الطفلِ بالضربِ والإهانات، وفي المقابلِ، تقدسُ المدارسُ الغربيةُ فرديةَ الطفلِ واستقلالَه؛ لإدراكِهم أنَّ الإنسانَ المهزوز لا يبني وطنًا. هم طبقوا مقاصدنا ونحنُ تمسكنا بالقشورِ فقط.
ودعوني لا أتحدثُ عن سجونِ وطنِنا العربي؛ وقبلَ أيِّ اعتراض، نعم، أعرفُ أنَّ معتقل غوانتنامو، وسجن أبو غريب أمريكيان، وتلك كانت طريقتَهم في معاملتِنا أثناءَ غزوِ أراضينا. لكن انظروا لمعاملتِهم لمجرميهم… (من مواطنيهم)؛ السجينُ هناك هو مواطنٌ سُلبت حريتُهُ لكن لم تُسلب حقوقُهُ الآدمية؛ له حقُّ القراءة، والرياضة، والكرامةِ الجسدية، لأنَّ العقوبةَ هي السجنُ لا الإهانة. أما في أوطانِنا، فكلمةٌ سياسيةٌ واحدةٌ قد تودي بحياةِ الإنسانِ وكرامتِه.
المشكلةُ ليست في الإسلامِ كمنظومة، بل في تحوّلِ القيمِ إلى شعاراتٍ جوفاء. الغربُ حوّلَ حقوقَ الإنسانِ إلى إجراءاتِ تشغيلٍ قياسيةٍ ومواثيقَ قانونيةٍ يُحاسبُ مَن يخالفُها. أما نحنُ، فتركنا القيمَ نوايا طيبة في القلوبِ دون أن نحولَها إلى قوانينَ صارمةٍ تحمي المريضَ من عينِ الطبيبِ المستهتر، والطالبَ من يدِ المعلمِ القاسي، والمواطنَ من بطشِ العسكريّ.
لا أعلمُ ما سببُ هذا؛ أهو الفقر؟ الحروب؟ أم غيابُ الوازعِ الدينيِّ الحقيقيّ؟ لكنَّ ما أعرفُه أنَّ أرخصَ ما في أوطانِنا هو نحن. وحتى لو سافرنا لعلّنا نجدُ في أوطانِ الآخرين سلوى، نصبحُ هناك أرخصَ ما يكون. “ما الخطأ في أن يطالبَ المرءُ بحقّهِ في أن يكونَ آدمياً؟”.
لا نجدُ حقوقاً في البقاء، ولا في الرحيل، وصدقَ الشاعرُ حذيفةُ العرجي يومَ صرخ:
وأينَ نذهبُ؟ كلُّ الأرضِ ترفضُنا
وتزدرينا، وكلُّ الأرضِ تمتَهنُ
يا أيُّها الموتُ ما أحلاكَ من وطنٍ
لمن أتاكَ شهيداً جرحُهُ الوطنُ
للمزيد:
الحرية بين الإسلام والغرب
مشاهدة وتشخيص: من أسوأ ما رسّخه عيش التبعية










